ثاني سيدة تتولى حقيبة الخارجية الهندية/ د. عبدالله المدني

في التشيكلة الوزارية للحكومة الهندية الجديدة بزعامة "ناريندرا مودي" لوحظ أنها تضم لأول مرة في تاريخ الحكومات الهندية سبع سيدات دفعة واحدة هن: السيخية "مانيكا غاندي" كنـّـة زعيمة حزب المؤتمر المهزوم "سونيا غاندي" لوزارة شئون المرأة وتنمية الطفولة، و"سمريتي زوبن إيراني" لوزارة التنمية البشرية، وطبيبة أمراض القلب وعالمة الحيوانات "نجمة هبة الله" لوزارة شئون الأقليات، و"هارسيمرات غاور بادال" لوزارة صناعة الأغذية المحفوظة، و"سوشري أوما باراتي" لوزارة مصادر المياه وتطوير الانهار، و"نيرمالا سيتارامان" لوزارة الدولة للتجارة والصناعة. علما بأن الدكتورة هبة الله هي الشخصية المسلمة الوحيدة في الحكومة، وهي حفيدة الزعيم الهندي الكبير مولانا أبو الكلام آزاد الذي إصطف مع نهرو والمهاتما غاندي ضد فكرة تقسيم الهند البريطانية. 

غير أن المفاجأة الأكثر إثارة كانت ذهاب حقيبة الشئون الخارجية أيضا إلى سيدة هي"سوشما سواراج" لتدخل الأخيرة تاريخ بلادها كثاني سيدة تقود الدبلوماسية الهندية من بعد السيدة أنديرا غاندي التي تولتها في الفترة ما بين أغسطس 1967 ومارس 1969  في حكومة "لال بهادور شاستري" الذي خلف والدها جواهر لال نهرو. 

وقد خطفت السيدة "سواراج" الأضواء فجأة من زعيمها "مودي" ليس لأنها ثاني سيدة تجلس على رأس الدبلوماسية الهندية، وليس بسبب سجلها العلمي والعملي الحافل بالنشاط والجدية والنجاحات المتتالية فقط، وإنما أيضا بسبب أمر آخر هو أن حقيبة الخارجية في الهند ليست كمثيلاتها في حكومات دول العالم الثالث. صحيح أن من يديرها ينفذ سياسات الحكومة الخارجية التي يصيغها ويشرف عليها رئيس الوزراء ، لكن الصحيح أيضا أن لوزير الخارجية شيء من النفوذ والصلاحيات الذي يستطيع من خلاله وضع بصماته الخاصة على تلك السياسات. ومن يقرأ تاريخ الحكومات الهندية المتتالية وسياساتها منذ الاستقلال في عام 1947 سيجد ذلك جليا فيما عدا الحالات التي كانت فيها حقيبة الخارجية من نصيب رئيس الوزراء نفسه، وهي حالات قليلة كان معظمها في زمن الراحل الكبير نهرو.

وبالعودة إلى وزيرة الخارجية الجديدة نجد أنها تتمتع بكل ما يمكنها من النجاح في مهمتها الجديدة، خصوصا وأنها تلقى دعما غير محدود من رئيس الوزراء "مودي" الذي تشترك معه في الايمان الشديد بالعقيدة القومية الهندوسية، ناهيك عن اشتراكهما منذ شبابهما في صفوف الحركات شبه المسلحة الداعية إلى التمسك بمجموعة من القيم والمباديء الهندوسية الخالصة.

و"سواراج" من جيل ما بعد استقلال الهند كونها ولدت في مدينة امبالا في فبراير 1952  لعائلة من طبقة البراهمة الهندوسية التي تؤمن بالاله كريشنا وبكتاب فيدا المقدس، وكان والدها احد القادة البارزين في "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" أو ما يعرف إختصارا باسم "آر. إس. إس" وهي حركة ميليشاوية يمينية تعمل على التجنيد الطوعي لكل مؤمن بالعقيدة القومية الهندوسية. لذا لم يكن غريبا أن تقتدي الإبنة بوالدها في أفكاره منذ الصغر وحتى اليوم مرورا بفترتي المراهقة والشباب.

درست "سواراج" في أمبالا في "كلية ساناتان دارما" العريقة التي تأسست في عام 1916، وحصلت منها على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية وآداب اللغة السنسكريتية، ثم أتبعتها بنيل درجة الماجستير في القانون من جامعة البنجاب في تشانديغره، التي أتاحت لها العمل كمحامية في المحكمة العليا منذ عام 1973 .

بدأت هذه السيدة، التي تحرص على إرتداء الساري الهندي بطريقة أنيقة، وتزيين منتصف جبهتها بالدائرة الحمراء التقليدية، العمل السياسي في السبعينات حينما كانت بلادها تعيش حالة الطواريء التي فرضتها السيدة أنديرا غاندي. ففي تلك الفترة ظهر إسمها لأول مرة كناشطة في صفوف حزب "جاناتا دال" وقائدة لحملات شعبية ضد حزب المؤتمر الحاكم. ويعتقد أن عملها هذا هو الذي أسس لها شعبية قادتها إلى فوز ساحق في مسعاها لنيل مقعد في المجلس التشريعي لولاية هاريانا عن دائرة أمبالا إبتداء من عام 1977 وحتى العام 1982 ، ثم من عام 1987 وحتى 1990 .

بعد ذلك كرت سبحة نجاحاتها السياسية. إذ تولت في الفترة 1977 ــ 1979  وزارتي العمل والتعليم في حكومة بيهار المحلية فدخلت التاريخ الهندي كأصغر وزير لجهة السن حيث كان عمرها وقتذاك 25 سنة.  وفي الفترة 1987 ــ 1990  تولت وزارة التموين والخدمات المدنية في حكومة بيهار، كما انها فازت في ديسمبر 1998 بمنصب رئيسة حكومة دلهي، فكان ذلك أيضا محطة متميزة في سجلها لأنه لم يسبق لإمرأة قبلها شغل هذا المنصب الهام. 

أما على الصعيد الاتحادي فقد انتخبت سبع مرات لشغل مقعد برلماني في مجلس النواب (لوك سابها) ومجلس الشيوخ (راجيا سابها)، كما انها استلمت حقائب الاعلام والاتصالات والصحة ورعاية الاسرة والشئون البرلمانية في سنوات متفرقة حينما كان حزب "بهاراتيا جاناتا" يدير الهند في التسعينات والشطر الأكبر من العقد الماضي. وحينما تولى حزب المؤتمر السلطة وانتقلت "بهاراتيا جاناتا" إلى مقاعد المعارضة في البرلمان شغلت "سواراج" منصب نائب زعيم المعارضة البرلمانية "لال كريشنا أدفاني". وبتقاعد الأخير عن العمل السياسي في ديسمبر 2009 حلت مكانه فعرف عنها ــ رغم أجندة حزبها المتناقضة تماما مع أجندة حزب المؤتمر ــ الرقي في خطابها السياسي والتزامها بمعايير إحترام الآخر. ولعل من يطلع على بعض الصور الفوتوغرافية التي التقطت لها مع زملائها وزميلاتها من داخل البرلمان الهندي سوف يجد بينها صورا تجمعها مع زعيمة حزب المؤتمر "سونيا غاندي" وكأنهما صديقتان، وليستا خصمين لدودين تنافسا بضراوة ضد بعضهما البعض في دائرة واحدة بولاية "كارناتاكا" في انتخابات 1999 .

ويذكر الهنود لـ "سواراج" أنها حينما كانت وزيرة للإعلام في حكومة "أتال بيهاري فاجبايي" في أواخر التسعينات أتخذت قرارا باعتبار إنتاج الأفلام السينمائية "صناعة"، الأمر الذي مكــّن المشتغلين في الحقل السينمائي من الحصول على تمويلات مصرفية، وحررهم بالتالي من استغلال المرابين والفاسدين. وانها حينما تولت وزارة الصحة في حكومة التحالف الوطني الديمقراطي بقيادة "ديفي لال" التي سقطت في عام 2004 قامت بإنشاء ستة معاهد ضخمة شاملة للعلوم الطبية موزعة على ست ولايات.

وجملة القول أن "سواراج" إرتبط إسمها منذ دخولها المعترك السياسي بمفردة "أول" فهي أول شخصية تدخل البرلمان المحلي في عمر 25 سنة، وأول رئيسة وزراء لدلهي، وأول وزيرة إتحادية وسكرتيرة عامة وناطقة رسمية باسم حزب "بهاراتا جاناتا"، وأول إمرأة تقود المعارضة البرلمانية من خارج حزب المؤتمر، وأول نائبة برلمانية تمنح وسام التميز البرلماني، وأول إمرأة تخوض الانتخابات في أربع ولايات مختلفة، وأول شخصية تحافظ على مدى 30 عاماعلى مقعدها البرلماني ما بين المحلي والاتحادي.

د. عبدالله المدني
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين
تاريخ المادة : يونيو 2014 
الايميل: Elmadani@batelco.com.bh

فتح معبر رفح مطلب مصري أيضا/ نقولا ناصر

(المصالحة الفلسطينية أسقطت الحجة المصرية للاستمرار في إغلاق معبر رفح إلى قطاع غزة، فلماذا تستمر مصر في إغلاقه؟)

من المفهوم أن تطالب دولة الاحتلال الإسرائيلي بالعودة إلى العمل باتفاق عام 2005 الذي يشركها في تشغيل معبر رفح بين قطاع غزة الفلسطيني وبين جمهورية مصر العربية، لكن غير المفهوم هو أن تطالب بذلك أي جهة فلسطينية أو مصرية أو عربية لتعيد سيطرة الاحتلال على منطقة كانت قد تحررت منها.

إن فتح معبر رفح بين قطاع غزة الفلسطيني وبين مصر ينبغي أن يكون في رأس أولويات حكومة الوفاق الوطني في القطاع، فاستمرار إغلاق المعبر يعني فقط إغلاق المتنفس الوحيد للقطاع فوق سطح الأرض بعد إغلاق متنفس القطاع الوحيد تحت سطحها بعد قيام مصر، لأسباب أمنية مفهومة ومشروعة، بتدمير أكثر من ألف وثلاثمائة نفق كانت تمثل الشريان الوحيد الذي يمد أهل القطاع بأسباب البقاء على قيد الحياة.

غير أن السياسة المصرية تجاه معبر رفح ما تزال موروثة من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بالرغم من كل التغييرات اللاحقة التي أطاحت بذلك العهد الذي وصفته دولة الاحتلال بأنه كان ذخرا استراتيجيا لها، فالثورة المصرية لم تصل معبر رفح بعد.

لقد ظلت المطالبة الرسمية المصرية بتدمير الأنفاق مع قطاع غزة كاستحقاق أمني مصري مشروع متلازمة مع المطالبة الشعبية المصرية بفتح معبر رفح بقرار مصري سيادي، لكن لم يتم حتى الآن الجمع بين المطلبين، بانتظار أن تجتاز مصر المرحلة الانتقالية التي تمر بها، غير أن معاناة أهل القطاع من الحصار لم تعد تستطيع الانتظار.

إن القوى المعارضة للحكم داخل مصر والمعادية له خارجها قد زجت مسألة فتح معبر رفح في صراعها معه، ولم تتردد في استخدام استمرار إغلاق المعبر في هذا الصراع، لتطالب بفتحه مطالبة حق يراد به باطل.

غير أن فتح المعبر يظل استحقاقا إنسانيا بقدر ما هو استحقاق وطني فلسطيني لا مناص من استجابة مصر له كتعبير عن التضامن العربي مع الشقيق المحاصر في القطاع وأيضا استجابة لمطلب وطني مصري لم يتوقف الشقيق المصري عن المطالبة الشعبية به.

في ثورة 25 يناير طالبت الملايين التي خرجت إلى الشوارع بفتح معبر رفح كقرار سيادي مصري يكون رأس رمح لتغييرات جوهرية في السياسة الخارجية المصرية تحررها من قيود اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المصري المنفرد مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

والقاهرة منذ عهد مبارك حتى الآن ترفض فتح معبر رفح طالما إدارته "فصائلية" على الجانب الفلسطيني وتشترط أن يديره من هذا الجانب سلطة معتمدة من منظمة التحرير الفلسطينية التي تعترف مصر بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وفي هذا السياق تطالب مصر الآن أن تكون الإدارة في الجانب الفلسطيني بإشراف حكومة وحدة وطنية.

ومثلها منظمة التحرير التي لم تسع جادة لدى الجانب المصري لفتح المعبر بالحجة ذاتها.

وقد أسقطت المصالحة الفلسطينية وتأليف حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني هذه الحجة الآن، فلماذا يستمر إغلاق المعبر!

لكن رئيس حكومة الوفاق الوطني رامي الحمد الله، المكلفة بإعادة فتح المعبر، قال في مقابلة له مؤخرا مع النيويورك تايمز إن فتح معبر رفح "ليس في يدنا" وإن "المفاوضات" لإعادة فتحه "لم تبدأ بعد".

في الثالث والعشرين من الشهر الجاري قال الرئيس محمود عباس إن المعبر "يجب أن يفتح بناء على اتفاقية عام 2005، ومصر ليس لها علاقة بهذا الاتفاق، ولكن يجب أن توافق مصر على إجراءات فتح المعبر".

ومعنى ذلك ان "المفاوضات" التي أشار الحمد الله لها سوف تكون أولا مع دولة الاحتلال على أساس اتفاق عام 2005 ثم مع مصر للحصول على موافقتها على "الإجراءات" التي تتمخض المفاوضات عنها.

إن تحرك الرئيس عباس وحكومته لإعادة فتح معبر رفح على أساس اتفاق عام 2005 الذي تجاوزته الأحداث يمثل تبرعا مجانيا يزود دولة الاحتلال بأداة ابتزاز للجانب الفلسطيني تفرض عليه الرضوخ لأي إجراءات تمليها عليه، ويعزل مصر عن أي مشاركة في صياغتها ويضعها أمام خيار وحيد للقبول بها، كأمر واقع، أو رفضها، وفي حال رفضها سوف يوضع أي اتفاق فلسطيني مع دولة الاحتلال بشأن فتح المعبر على الرف ليظل المعبر مغلقا من الجانب المصري ولتستمر معاناة القطاع وأهله.

وحماس ليست الفصيل الفلسطيني الوحيد أو المنفرد برفض إعادة فتح المعبر على أساس اتفاق عام 2005، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على سبيل المثال، مثلها مثل معظم فصائل النضال الوطني والرأي العام الشعبي الفلسطيني، ترفضه كذلك لأنه "يعيد تحكم الاحتلال الإسرائيلي في المنفذ البري الوحيد" بين القطاع ومصر، بدلا من إعادة النظر في كل الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال ووقفها".

وليس سرا أن قيادة منظمة التحرير بإصرارها على العودة إلى اتفاق عام 2005 الذي عفا عليه الزمن إنما تصر على أن تكون دولة الاحتلال شريكة في حل قضية معبر رفح وموافقة على فتحه، بالرغم من إدراكها بأن موافقة دولة الاحتلال على فتحه لها ثمن فلسطيني خلاصته إعادة الاحتلال عليه.

ويتفق هذا الإصرار مع استمرار التزام قيادة المنظمة باستراتيجية ترهن التحرر من الاحتلال وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة على أي جزء يتحرر من الوطن المحتل بموافقة دولة الاحتلال عن طريق التفاوض على "حل متفق عليه" معها، وفي ذلك تناقض واضح أثبته الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات منذ انطلاقها قبل ما يزيد على عقدين من الزمن.         

وهذا إصرار مثير للاستنكار الشعبي والوطني الفلسطيني ومنافي لأي منطق سليم.

ومن المثير للإستغراب أن ترتهن مصر ممارسة سيادتها على جانبها من الحدود لهذه الاستراتيجية الفلسطينية الفاشلة، ففتح معبر رفح قرار سيادي مصري خالص لم يعد التذرع بالقبول بما يقبل به الفلسطينيون مسوغا لعدم فتحه، فالسيادة المصرية التي يمكنها إغلاق المعبر يمكنها فتحه أيضا،، اللهم إلا إذا كانت هذه السيادة منتقصة، كما يقول المعارضون لاتفاقيات كامب ديفيد.

إن الحصار المفروض على القطاع منذ أعلنته دولة الاحتلال "كيانا معاديا" قبل سبع سنوات يمثل "عقوبة جماعية"  يجب أن تنتهي كما قال في مؤتمر صحفي له يوم الأربعاء الماضي روبرت تيرنر، المسؤول في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

كما أن فتح معبر رفح حق إنساني يندرج ضمن قوانين حقوق الإنسان الدولية التي ما زال التحالف الغربي يتخذ منها ذريعة للتدخل العسكري العدواني في الدول الأخرى غير الخاضعة لسيطرته وهيمنته، غير أن هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية هو ذاته المسؤول عن حرمان الشعب الفلسطيني من هذا الحق في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن في قطاع غزة بصفة خاصة.

لقد كان قطاع غزة رهينة لما سمي "عملية السلام" منذ انطلاقها، ويبدو أن الحصار لن يرفع عنه إلا بعد دفن هذه العملية إلى غير رجعة.

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com

قصيدة شكر من مفيد نبزو الى عصام ملكي

رد على قصيدة الأخ الشاعر المهجري الحبيب عصام ملكي رئيس عصبة الزجل اللبناني في أوستراليا والتي فاضت بها قريحته الشعرية بعد صدور كتابي :  شريل بعيني شاعر أمتي :
**
بعرف عصام الزجل خيَّالو 
وفارس طموحو فوق آمالو
فارس بإيدو شعلة الفرسان 
ع صهوتو ما في حدا يطالو
صحَّى بصوتو غفوة الوجدان 
وزلزل رموز الشر زلزالو
ورتل تراتيل السما بإيمان 
بلكي بيزهِّر حلم أجيالو
وبعدو ابن ملكي صدى لبنان 
صوت القداسة بطهر إجلالو
غنى بأشعار الزجل ألحان 
وسكرت طيور السما بموَّالو
ويا ما غمس من ريشة الألوان 
يرسم وطن بخيوط مغزالو
حارس الأرزة وعبقر الوديان 
ياما القمر زارو بعرزالو
وكل همُّو راحة الإنسان
 ينعمْ ولا يعكِّر حدا بالو
بعرف عصام الشاعر الإنسان
 يِّلي فعالو بتسبق قوالو
الشاعر ابن ملكي إلو عنوان 
صَّياد ربَّات الوحي خيالو
ياما بخيالو رافق الميزان 
ويا ما دفق بالعطر شلالو
وبالليل في لو بالسما جيران 
نجمات شعوا بهالدني وقالو
شاعر الغربة وعاشق الأوطان 
من غربتو شو حنّ ع جبالو
ع الأرز ع الموجات ع الشطآن 
ع الذكريات ال صورتا قبالو
لو كان ملكي الأمر عندي كان 
لزرع بحضن الأرز تمثالو 
**

سيرورة التثقف وتبدل الأطوار الحضارية/ د. زهير الخويلدي

استهلال:

" إذا كانت الثقافة تتجلى عبر نوع من الأذى الدائم فإنها مع ذلك نعمة لا تقدر بثمن"1[1]

يبدو أن النظر في ماهو إنساني يستوجب منا العودة إلى ماهو ثقافي وحضاري وذلك لكون الهوية الإنسانية لا تتحقق إلا بالثقافة والتحضر وذلك لكون الهوية الذاتية للفرد لا تتشكل بمعزل عن هويته الاجتماعية ولقائها بالأغيار واستفادتها من التراث الإنساني والتجارب التاريخية المشتركة. إذا أضفنا ما يميز الإنسان عن غيره من مجموعة المحددات الثقافية مثل اللغة والدين والفنون ومختلف العناصر المكونة للخصوصية ومنظومة القيم وأنماط السلوك الأخرى التي ينخرط في ممارستها تأكيدا للانتماء فإننا نستخلص من ذلك انقسام الإنسانية الكونية إلى مجموعة من الخصوصيات تتجلى في تعدد الهويات الثقافية وتنوعها. غير أن المشكل الفلسفي الذي يطرأ هنا يتعلق بمجال تكوينية الهوية الثقافية بين المفرد والجمع ومراوحتها على المستوى التاريخي بين التشكل والازدهار من جهة والانحطاط والأفول من جهة أخرى. بعد ذلك يتراءى لنا مشكل جديد يتعلق بعلاقات الثقافات فيما بينها وميلها إلى التمركز على الذات وإعلان التفوق واحتكار التكلم باسم بالتحضر والعالمية ودخولها في تنافس يتحول إلى صراع واستبعاد لغيرها.  

المشكل الثالث الذي يبرز للعيان هو مخاطر المديح الذاتي والقول بالخصوصية الثقافية على ترسيخ قيم كونية حضارية تبشر بالتسامح والتساوي وتدعو إلى الانفتاح والتعارف ومخاطر العولمة على الهوية. في هذا الإطار ماهو مفهوم الثقافة ؟ وما الهوية؟ وهل توجد ثقافة أم عدة ثقافات؟ وما علاقة الثقافات بعضها ببعض؟ هل تقوم على التهميش والهيمنة والقول بأفضليتها على حساب الأخرى أم تتغذى من التنوع والديناميكية والانفتاح وتستثمر التقاطع مع غيرها من أجل التثاقف المثمر والتفاعل التوليدي الخلاق؟ وما المصير الذي ينتظر كل هوية ثقافية ؟ هل تتعرض للتحجر والجدب أم تنصهر في الحضارة الكونية ؟ بعبارة أخرى ما الذي يميز الهوية الثقافية ؟ هل قدرتها على أن تظل حية ومحافظة على قوتها وإبداعيتها أم أن مصيرها ينتهي إلى التقوقع والانحدار والسقوط ؟ وكيف السبيل إلى احترام حق الضيافة الكونية؟

ماهو في ميزان الفكر هو رفض القول بمركزية ثقافة واحدة وسيادتها الأبدية وتزعمها ريادة الإنسانية ورفعها مشعل التحضر بشكل دائم والقول بأن الثقافة هي من الخصوصيات التداولية التي تضيفها الشعوب إلى الطبيعة قصد التغلب على التوحش وقهر الغريزة وزرع حق الضيافة بدل ووضعية التدافع والتدافع.

1- في تشكل الهوية الثقافية:

" يحدد الناس هويتهم بما هم ليسوا عليه"2[2]

تعتبر الثقافة من أكثر المفاهيم العلمية تعقيدا بل من أكثر التعريفات تداولا في حقل العلوم الإنسانية وذلك لتعارضها مع الطبيعة من جهة أولى والخلط بينها والتربية الذوقية ووضعها إلى جوار الحضارة في مرتبة ثانية. بناء على ذلك ليست الثقافة مسألة ثانوية بل هي عنصر ضروري ومسألة حيوية بالنسبة إلى الإنسان إذ تتشكل من أجل إخراج المجتمع من مآزق متنوعة أهمها الفوضى واللاّنظام وحالة الطفولة والقصور الذاتي والوضعية الهمجية والتوحش والمشاعر الأنانية ومسايرة الغرائز والأهواء دون ضوابط.

تتحدد الثقافة من جهة المضاف إلى الطبيعة قصد الانتصار عليها ووضع الحدود والتميز عنها وتتجه نحو التقنية والصناعة والتمدن بالترويض والخبرة والتهذيب والصقل والتنمية والتربية والإشباع والاختراع. كما تظهر الثقافة في كل العلاقات المبتكرة التي تصل الناس بالطبيعة وتصل الناس بعضهم ببعض.   في هذا السياق يصرح شبلنغر:" تنشأ ثقافة لحظة ما تستيقظ روح نبيلة" وتغادر الاهتمام بالجزئي نحو الكلي.

على هذا النحو تتناقض الثقافة مع التوحش والهمجية والرعونة والجهل والغلظة والتخلف وتعتمد على ما يمارسه الناس من أعمال وتجارب وخبرات وما يراكمونه من معارف وعلوم ونظريات وتنهل مما يكتسبونه من محيطهم الاجتماعي وعلاقاتهم ببعض وتقترب من المعرفة والتكوين والتحويل والفلاحة والحذق والفهم والذكاء والتسوية والتقويم والفكر الثاقب وسعة الاطلاع وتدل على العادات والتقاليد والمأثورات والسلوك المشترك المتناقل من جيل إلى آخر وتشير إلى الفنون الجميلة والإنسانيات والآداب.

غني عن البيان " أننا نتناول كلمة الثقافة في معنيين: 1- منتجات أنظمة رمزية، ومؤسسات خاصة بمجتمع.   2- المنتجات الرمزية المقومة اجتماعيا كأصناف جمالية مستقلة ذاتيا( الفن)"3[3].

بناء على ذلك يبرز التثقيف بوصفه حركة تتقدم نحو الكمال بواسطة الارتقاء وعن طريق النمو المعرفي. وبالتالي تحمي الثقافة الإنسان من النزوات العدائية وترفعه فوق الحياة الغريزية وتميزه عن بقية الكائنات وتنزع عنه القوى التدميرية وتدفعه إلى إنتاج الخيرات وانتزاع النافع من الطبيعة والحفاظ على الحياة وتثبيت الوجود البشري وتتكون من الاستعدادات الضرورية لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتوزيع المنافع4[4].

ليست الثقافة معرفة ومقدرة للسيطرة على الطبيعة بل هي أيضا الأسلوب العام للحياة التي يتميز بها مجتمع معين والسلوك المكتسب الذي يمكن وصف به أنواع النشاط والمواقف والرؤى والنظم القيمية. ان الثقافة هي التي تجعل الكائن البشري فريدا وما تميز هذا الحيوان الاجتماعي عن غيره وتمكنه من التلائم مع محيطه الطبيعي ومن التعارف والاندماج مع بقية أعضاء المجتمع والتكيف مع أنماط حياتهم المتنوعة.

نستخلص من ذلك أن الثقافة ليست ظاهرة بيولوجية تستند على الطبع والمزاج والمواد العضوية بل هي كل ما يضعه الإنسان في محيطه الطبيعي بالتعاون مع غيره وهذا الكل المركب الذي يتكون من الفردي والجماعي ومن الرمزي والمادي ومن المؤسسات والمعتقدات ومن العادات والأعراف والقوانين والشيم.

هكذا تتميز الثقافة بالطابع العام وتغطي معظم جوانب الحياة اليومية وتتراوح بين الثبات والتغير. وبالتالي ليست الثقافة شيئا ينضاف إلى الحياة بل قوام تدفقها ودم وجود الشعب وهذا الكل السائد لديه من لغة ودين.

تنمو الثقافة وتتطور حينما توجد فئة من المجتمع تعمل بجد ومثابرة وتضحوا بنفسها من أجل الشأن العام وتعبر عن طابعها الديناميكي والتفتح والتجدد حينما تتفرغ فئة أخرى للتأمل والتنظير والتذوق والإبداع وتظل هذه الثقافة قوية ومستمرة طالما تمارس النقد على ذاتها وتفكر خارج نسقها الخاص وتذبل وتتدحرج وتضعف وتنقرض حينما تسقط في التقليد والتماثل والتكرار وتهمل الاختلاف والتنوع والخلق.

2-    في تحول الثقافة إلى حضارة:

" تنمو الحضارة في دائرة النفعي ، وتنمو الثقافة في دائرة القيمي" كلود ليفي - شتراوس

بعض من الفلاسفة يزدري كل تفريق بين الحضارة والثقافة ويقر بوجود قرابة متينة بينهما تصل إلى حد التطابق مثل سغموند فرويد ويتصورون القرابة على غرار العلم والتقنية والبعض الآخر مثل ماكس فيبر يعملون على التمييز بينهما ويجعلون مفهوم الثقافة يدل على القيم والمعاني الروحية التي يضيفها الإنسان إلى الطبيعة بينما يلصقون بالحضارة دلالة نفعية ويشيرون إلى الجانب المادي التنظيمي للتقدم العلمي والتكنولوجي ويتوقفون عند الخاصية التراكمية من جهة كون الحضارة ثمرة جهود للتحسين والتطوير تخص الظروف المادية التي يعيشها الإنسان وترتبط بتغيير المحيط الاجتماعي وترتكز على الصناعة.

المعنى الايتيمولوجي للحضارة يدل على التحضر والحضر والحاضرة وهو المدينة والمدنية والتمدين وتتميز الحضارة بالطابع الكوني وتتنزل في إطار الزمن والتاريخ وترتبط بالتقدم والتحول نحو الأفضل. بالرغم من وجود حضارة واحدة في كل عصر إلى جانب عدة ثقافات قومية فإن الحضارة تفترض وجود ثقافات متنوعة للغاية يقوم بينها تحالف والتقاء ولا صراع وإقصاء مع محافظة كل ثقافة على ما يخصها. إذا كان صاموال هنتغتون يكشف عن العلاقات العدائية بين الشعوب وتفجر الحروب بشكل مستمر بين الدول ويقول بصدام الحضارات فإن عمونيال كانط وبول ريكور وروجي غارودي وغيرهم يقولون بحوار الحضارات ويدعون إلى إقامة حالة السلم بشكل دائم بين الدول وتكثيف روح التعاون والصداقة. بيد أن الحضارة معرضة إلى النكوص والانحطاط وقد تعرف عودة بالبشرية إلى حالة الهمجية والتوحش وذلك بسبب الغزو والاستيلاء والغلبة من طرف حضارة أخرى حققت صعودها بشكل مفاجىء وسريع.  

إذا أرادت هوية ثقافية معينة أن تجتاز مسافة الإبداع الحضاري فإنها مطالبة بفك الغربة عن العالم والتخلص من الفراغ الذي يغمر الحياة اليومية والتوقف عن التهالك على أشكال المدنية ومداواة الذات المغرقة في القدم وإعادة النظر في الإنسان وإعادة بناء العلوم وتغيير البنية العميقة للعقل والمجتمع. بيد أن الحضارة تولد حينما يحصل تطور في وسائل الاتصال وتراكم في الاقتصاد وتداخل في العلاقات تبسط هوية معينة ثقافتها على الكون وانتشارا في العالم وتتمركز على ذاتها وتجد التأييد من الهويات الأخرى.

" من غير الممكن صهر جميع الشعوب في بوتقة واحدة على أساس خاصية مشتركة تجعل منها مجتمعات بدائية أو جاهلة وهذه مصطلحات مشكوك في صحتها تطلق على كل شكل من أشكال الحياة الاجتماعية التي استمرت إلى عهد قريب ولا تزال مستمرة إلى الآن في بعض الحالات"5[5]

من المعلوم أن التحضر ينبني بالأساس على محاربة التعصب وتشجيع التنوع وينتقل من المواجهة بين الثقافات إلى التكامل الكوني بينها ويجعل من التعددية والاختلاف وضعية للاعتراف المتبادل والتسامح. كما ينشر التحضر التوافق بين البشر عن طريق تشبيك العلاقات البيذاتية والبيثقافية ويجسر الهوة بين الأغيار ويعتمد بالأساس على اللغة بوصفها سيرورة حية للتفاهم عن طريق الحوار والترجمة والتثاقف.

3-    تبدل الأطوار الحضارية:

" كان يمكنهم القبول بفكرة وجود ثقافات مختلفة ، ولكن لا توجد في نظرهم سوى حضارة واحدة هي الثقافة الغربية بماهي نتاج المسيحية وهي بهذه الصفة متفوقة على الثقافات الأخرى. وهم يعتقدون بوجود تقدم أخلاقي ، معنوي واجتماعي"6[6]

تنقل الثقافة المجتمعات من الفوضى إلى النظام ومن اللاّشكل إلى الشكل وتتطور وتصل إلى مجدها وقمتها حينما تنتصر على رغباتها الأنانية وتصوراتها الضيقة وتتعالى على الانتماءات الجهوية والمحلية والقطرية وتتخلى عن الإقصاء والتمركز على الذات والنظرة العنصرية وتستبدل اهتمامها بالجزئيات والمصالح القريبة وتنشد الغايات الكلية للنوع البشري وتسعى إلى تحقيق الأبعاد الروحية وتطلب الكلي والمطلق والكوني وتشرع الاختلاف وتعترف بالتنوع وتجعل من التعدد والكثرة فضاء للتلاقي والتخاصب وفرصة للاثراء. لعل أهم شروط الترقي الثقافي إلى الطور الحضاري هي الانفتاح والمرونة والنهل من الأغيار والاستفادة من الثقافات الأخرى ويحدث ذلك عن طريق المثاقفة والفعل البيثقافي والاحتكاك والنقل والمحاكاة وتقدم الإضافة وتعيش حالة ابداعية على الصعيد المادي والتقني وفي المجال الروحي والفني.

لكن ماهي الأسباب المؤدية بالثقافة الى التحجر؟ وما الذي يجعل حضارة تذبل وتموت بعد سؤدد ومجد؟

يقول شبلنغر في هذا الاطار: " تتحجر ثقافة فجأة ، فتموت ويسيل دمها وتخور قواها فتصير حضارة ".

أسباب هذا التراجع والانحطاط هي كالآتي:

-         عندما تتمكن ثقافة معينة من تحقيق الاكتمال الداخلي والخارجي وتبلغ الأهداف المرسومة.

-          عندما تعود الثقافة الى الاهتمام بارضاء الغريزة والجوانب المادية على حساب ماهو روحي وتهمل العقل والابداع الفني وتتوقف عن طلب المطلق.

-         عندما تقع في فخ محاكاة الثقافات الأخرى وتصاب بداء التقليد والاستنساخ والاغتراب الثقافي وتتوقف عن الابداع والتجدد والخلق.

-         عندما تصاب بمرض الوله الذاتي ويتكاثر فيها الخطاب الافتخاري والنكوص واجترار الماضي وتهمل أهمية الوعي بالزمن ويسيطر عليها حراس التاريخ التذكاري وتكتفي باعادة انتاج نفسها وتخليد الذكريات.

-         عندما تنتصر فيها أحد المحددات وشكل من الثوابت على البقية وهي العرق والدين واللغة والنظام السياسي وتتشكل دوغما اقصائية وتسيطر ايديولوجيا السلطة الرسمية على الفضاء العام.

-         عندما يغيب نمط المثقفين المجددين الذين يمارسون التحليل والنقد والتغيير والالتزام ويبرز نمط آخر من المثقفين  التقليديين الذي يقتصرون على التبرير والشرح والتفسير ونشر لثقافة السائدة.

-         دخول الثقافة عصر الامبريالي ورغبتها الشديدة في الاستحواذ والهيمنة على الشعوب والمجتمعات المجاورة وتحولها الى قوة عسكرية تفرض هوية مابعد ثقافية وتجعل من النمط الامبراطوري شكلا من الاقامة في العالم.

-         تجاوز الغرابة المطلقة أو الغيرية الجذرية التي من جانب الذات تجاه الثقافات المغايرة والاعتراف بوجود الاختلاف بين الذاتي والأجنبي ووحدة المصير والاعتماد على الترجمة لفهم الآخر الثقافي.

" الترجمة لا تطرح فقط عملا فكريا نظريا أو تطبيقيا ولكنها تطرح مشكلة أخلاقية تتمثل في تقريب القارىء من الكاتب وتقريب الكاتب من القارىء... مما يعني ممارسة الضيافة اللغوية"7[7]

لكن ماهي المخاطر الناتجة عن هذا التصحر الثقافي؟ وماذا يحدث للثقافات حينما تسقط الحضارة؟ وهل يمكن الاستئناف وتحقيق الانطلاقة الجديدة والاسترجاع الحضاري؟

خاتمة:

" ظهر مفهوم تساوي الثقافات (في المكانة والتعقيد) ونسبويتها ،مما أدى الى تعليق مفهوم الحضارة المدركة بوصفها الانجاز المادي والمعنوي لثقافة معينة واختفت الأحكام التقويمية"8[8]

لقد ارتبط التطور المعاصر للعولمة بزوال الصفة الإقليمية وانتقاص سيادة الدولة الوطنية وفشل مشروع الحداثة وانقلاب حركة التنوير على سياسة امبريالية كليانية وفقدت العلمنة العديد من المكاسب أمام المد التيولوجي وفي ظل عودة الديني عن طريق المتحولين الجدد أو إعادة إنتاج الماضي بتنشيط ذهنية التحريم وتركيز مؤسسات التبشير والدعوى وبواسطة التوريث والإرساليات الخيرية وهيمنة المقدس على الوعي.

حينما التقى الديني بالثقافة حصل اصطدام بينهما وتم القضاء على الهوية الثقافية باسم الديني المحض وأدرج الثقافي في دائرة الوثني والدنيوي في مقابل القدسي بدل التعامل مع الدين بوصفه جزء من الثقافة. كما أن الحضارة الغربية بررت تمركزها لا من جهة تفوقها الثقافي في شكلها الدنيوي على بقية الهويات بل بوصفها ملهمة بالدين على الدوام وقادرة على منح دين محض أعلى من كل ثقافة وعابر للمجتمعات. غاية المراد أن الاستئناف الحضاري يطرح في إطار الاستقلال الذاتي للثقافات وتساويها في المكانة ونسبيتها المعرفية والمعيارية وتتوقف على اندراج الديني ضمن الثقافة والتعامل معه بوصفه أحد الرمز الثقافية وليس كل الوعي الفكري الذي يمنح الهوية الثقافية أسسها والإطار العام الذي يغطي الحياة اليومية. من هذا المنطلق يجب رد التعددية الثقافية إلى أصولها العلمية والقيام بعلمنة غير عنيفة للدين وذلك برده إلى الثقافة بدل أن يؤكد عالميته عن طريق الهيمنة على الهوية والتأكيد على الإيمان المحض والتحرر من الذوق الجمالي وجعل النظرية اللاهوتية هي مرجع الأحكام الثقافية المسبقة فيما يتعلق نمط الحياة والفرد. إذا كان التثقف هو السيرورة التي يكتسب بمقتضاها الفرد ثقافته الخاصة فإن التحضر هو المسار الشائك والمعقد الذي يقطعه شعب بأسره في سبيل الترقي والتقدم والحصول على درجة من التمدن والتحديث. لكن ما حيلة حضارة إقرأ من أجل العود على بدء؟ هل تقيم مأتما على الدين أم تحرص على اندراجه الثقافي ؟

الهوامش:

[1] Assoun (Paul Taurent), nature , inconscient et culture, in Analyses et réflexions sur la nature, E. Marketing, 1990.p.93.

[2]  هنتنجتون (صامويل) ، صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب ، شركة سطور ، المعادي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1999، ص.203.

[3]   روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012 ،ص.55.

[4]  فرويد ( سغموند) ، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى، 1974، ص.70.

[5]  ليتش ( إدموند)، كلود ليفي – شتراوس، البنيوية في مشروعه االأنثربولوجي، ترجمة ثائر ديب، دار الفرقد، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، 2010. ص. 203.

[6]   روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، مرجع مذكور، ص.101.

[7]  ريكور (بول) ، عن الترجمة، ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الأولى، 2008.ص.46.

[8]  روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، مرجع مذكور،  ص.107.

المراجع:

Assoun (Paul Taurent), nature , inconscient et culture, in Analyses et réflexions sur la nature, E. Marketing, 1990.

هنتنجتون (صامويل) ، صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب ، شركة سطور ، المعادي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1999.

فرويد ( سغموند) ، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى، 1974.

ليتش ( إدموند)، كلود ليفي – شتراوس، البنيوية في مشروعه االأنثربولوجي، ترجمة ثائر ديب، دار الفرقد، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، 2010.

ريكور (بول) ، عن الترجمة، ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الأولى، 2008.

  روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012.

 [1] Assoun (Paul Taurent), nature , inconscient et culture, in Analyses et réflexions sur la nature, E. Marketing, 1990.p.93.

[2]  هنتنجتون (صامويل) ، صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب ، شركة سطور ، المعادي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1999، ص.203.

[3]   روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2012 ،ص.55.

[4]  فرويد ( سغموند) ، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى، 1974، ص.70.

[5]  ليتش ( إدموند)، كلود ليفي – شتراوس، البنيوية في مشروعه االأنثربولوجي، ترجمة ثائر ديب، دار الفرقد، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، 2010. ص. 203.

[6]   روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، مرجع مذكور، ص.101.

[7]  ريكور (بول) ، عن الترجمة، ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الأولى، 2008.ص.46.

[8]  روا (أوليفيه) ، الجهل المقدس ، زمن دين بلا ثقافة ، مرجع مذكور،  ص.107.

مصر.. تولد من جديد/ مجدى نجيب وهبة

** نعم دعونا أن يكون شعارنا اليوم هو "مصر .. تولد من جديد" .. نعم إجتهدوا ألا تغيب عن أعيننا هذه الصورة الكريهة التى عاشتها مصر أكثر من خمسة وثلاثين عاما .. هذة الصورة الكريهة التى وصلت إلى قمة المأساة مع اندلاع فوضى 25 يناير 2011 .. فلم يحدث جحيم فوضى 25 يناير وتآمر الجميع على إسقاط مصر , إلا بعد أن ترهل النظام وشاخ ولم يعد قادرا على حماية الوطن ..
** نعم .. مصر تولد من جديد بعد أن سقط القانون والأمن والأمان ، ونجح الفاسدين فى تأجيج إشعال الشارع المصرى .. وأؤكد أنه مهما بلغت قوة المؤامرات التى أحيكت لإسقاط الدولة المصرية ما كانت تنجح ، لو لم يساعدها النظام على ذلك فقد فسد النظام ولم يعد له سوى هدف واحد هو حماية الكرسى مهما كان الثمن ..
** نعم .. مصر تولد من جديد بعد أن أصبح لها رئيس منتخب بإرادة شعبية عارمة .. يعيش وسط الشعب ، ويتابع كل المتغيرات فى الداخل والخارج على أرض الواقع وليس من خلال تقارير توضع على مكتبه .. وليس معنى ذلك أن نطالبه بالعمل بمفردة , بل على الشعب كله أن ينتفض لحريتة وكرامتة ليتحمل مسئوليتة كاملة , للخروج من أكبر مؤامرة تعرضت لها مصر منذ 25 يناير 2011 ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، بعد أن عانى هذا الشعب العظيم من كل صنوف الفوضى والتميز والارهاب فى السنوات الاخيرة لحكم الرئيس محمد حسنى مبارك .. نعم شهدت مصر  أسوأ سنين الحكم فى السنوات العشرة الأخيرة لحكم الرئيس محمد حسنى مبارك .. من ديكتاتورية إلى إستبداد إلى إرهاب إلى تلوث مياه نهر النيل وإختلاطها بمياه المجارى والصرف الصحى مما زادت نسبة الاصابة بفيروس سى ..
** فقدت الخضروات والفاكهة الطعم واللون والرائحة ، بعد أن زادت نسبة الكيماوى الذى يسمد به الارض .. بل أن مذاق أى نوع من أنواع الفاكهة أو الخضار لم يعد له أى طعم .. فلا فرق بين الخيار والكوسة أو بين التفاح والطماطم والجميز فكلاهما بدون أى طعم أو مذاق ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، بعد أن زادت أساليب البطش على الشعب المصرى فى كل أقسام الشرطة , بداية من تلفيق المحاضر والبلاغات , حتى أن المواطن لم يعد آمنا للسير أمام  أقسام الشرطة .. بل زادت قضايا ضرب الشيكات من أسماء مجهولة .. ولكن الهدف هو القبض على المواطن وحبسه فى قضايا ومحاضر وهمية , كما زادت إعتماد الشرطة على شهداء مزورون ، للإنتقام من بعض المواطنين والزج بهم داخل السجن ...
** نعم .. زادت معاناة المواطن فى الحصول على مسكن مناسب أو شقة من أجل الزواج .. فظهر ما يسمى بقانون الإسكان الجديد ثم ظهور شقق التمليك الفاخرة .. فلا يجد المواطن البسيط إلا اللجوء إلى السكن بالقانون الجديد المحدد المدة والذى تزداد نسبة الايجار فيه سنويا .. فزادت نسبة الطلاق بين الأزواج ، وزاد إنتشار أطفال الشوارع ومتعاطى المخدرات ... بل وزادت وإنتشرت تجارة المخدرات فى كل شوارع و ميادين القاهرة وعلى النواصى , وأصبح إستخراج رخصة مقهى أو كافية أسهل من رخصة بائع جرائد و صحف  أو رخصة سيارة ..
** إنتشرت البطالة بعد أن إنتشرت أفلام السبكى و خالد يوسف التى نشرت الدعارة و الاجرام و التجارة فى المخدرات وأصبحت القهاوى هى مجمع كل السكارى والعاطلين , الذين فضلوا الجلوس على المقاهى و التسكع فى الشوارع واللهث وراء الفتيات والنساء , مما زادت حوادث الإغتصاب و التحرش عن العمل الحر الشريف ..
** إنتشرت فتاوى التكفير وقتل الأقباط واجبارهم على جلسات التصالح التى كان يحضرها شيوخ التطرف و الفتنة يرافقهم ضباط من جهاز وزارة الداخلية .. ولم يكن أمام الضحايا إلا الركوع والخضوع للتنازل وجلسات العرف والمصاطب حتى لا تلفق القضايا ، وربما ينقلب المشكو فى حقة إلى متهم ، والمتهم الى ضحية , و هكذا كانت تدار مصر فى أواخر سنين حكم مبارك ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، بعد أن ذاقت المر والعلقم .. وعرف الشعب المصرى حقيقة الإخوان المسلمين الإرهابية ، الذين رفعوا شعار "الإسلام هو الحل" أكثر من ثمانون عامآ ..
** نعم .. مصر تولد مصر من جديد .. وعلينا أن نواجه كل مشاكلنا بفكر واعى ومتحضر .. فلن يقبل الشعب المصرى أن تداس كرامته .. ولن يقبل المواطن المسيحى أن يعامل كمواطن من الدرجة الثانية ، بل هو شريك فى الوطن ولن يقبل أن تهدم كنائسه أو تختفى طقوس الإحتفال بالأعياد أو طقوس الصلاة كما حاول بعض الأرهابيين فرضه على الأقباط , ولم يكن يحدث ذلك فى السنين القليلة الماضية بل هذا موجود منذ حكم الرئيس " محمد أنور السادات " ..
** نعم مصر تولد من جديد .. فلم يعد مقبولا أن يخرج علينا مجموعة من البلطجية لإعادة فرض الإسلام السياسى والمطالبة بعودة المعتوه "محمد مرسى العياط" للمطالبة بعودته للحكم .. أى حكم يتحدثون عنه هؤلاء الخونة و المأجورين الذين دمروا فى الوطن ما فعله كل من السادات و مبارك طوال سنين طويلة خلال عامين ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، فلا يمكن أن يقارن بين جاسوس إرهابى مجرم "محمد مرسى العياط" بالرئيس الراحل "محمد أنور السادات " بطل نصر أكتوبر العظيم .. إنهم من المؤسسة العسكرية التى ظلت تدافع عن مصر مهما كانت أخطائهم .. أما الرئيس المعزول فلم يكن إلا أداة فى أيدى الصهيونية العالمية وأمريكا وقطر لإسقاط مصر  ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، عندما خرج من رحم الشعب المصرى قائد و زعيم .. بطل أحس بالخطر القادم فقاد أعظم ثورة شعبية فى مصر  ، بل فى العالم ، عندما أحس بثورة الشعب المصرى ورفضه لهذا الرئيس الإرهابى "محمد مرسى" فبدأ فى إرسال إشارات للشعب المصرى لأنه لم يكن يريد إنقلابا عسكريا بل كان يريد ثورة شعبية ... هذا الرجل لم يذق النوم و لم يغب عن الشارع المصرى لحظة واحدة ..كان يراقب هذا الأفاق الذى وصل إلى قصر الإتحادية فى أسوأ الظروف التى تمر بها مصر , حيث حرض على قتل المصريين و الشباب , وزرع الفتنة الطائفية , وأصدر قرارات وقوانين أعادت مصر إلى حكم الهكسوس .. ولم يحترم لا الشعب ولا القضاء ولا الدولة ولا أى شى فى هذا الوطن .. بل باع كل شئ للحصول على كرسى الرئاسة وإستطاع بالخداع والمكر والخيانة أن يصل لكرسى الحكم بعد أن عاونه الكثيرين .. بداية من المجلس العسكرى السابق الذى يتحمل كافة المسئولية الكاملة ، لأنه وقف ضد رغبة الشعب وإستمع إلى القليلون من أنصار الإرهابى "محمد مرسى العياط" كما عاونه أعضاء اللجنة الإنتخابية الرئاسية ، بعد أن تغاضوا عن حالات التزوير الفج فى الإنتخابات الرئاسية .. و أعلنوا فوز "محمد مرسى العياط" رئيسا لمصر ...
** نعم .. مصر تولد من جديد .. ونحن نرى ثمار ثورة 30 يونيو 2013 ، فقد عادت الريادة للدولة المصرية بعد أن كادت تفقد هيبتها ونحن نرى الرئيس السيسى يشاهد تخرج دفعات متتالية من شباب الكلية الحربية وكلية الشرطة وكلية الطيران لنرى فخر الشعب المصرى بشبابه العظيم ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، ونحن نتمنى أن نرى تغيير جذرى فى تعامل الشرطة مع الشعب وعدم تخاذل الشرطة فى التعامل مع المجرمين والقتلة والإرهابيين ، وأن يكون الإحترام المتبادل هو المبدأ وميثاق الشرف بين الشعب والشرطة ...
** نعم .. مصر تولد من جديد ، فلم يعد هناك أمين شرطة يجرؤ على تلفيق محضر لمواطن ، مجاملة لشخص أخر .. كما لم يعد هناك ظابط أيا كانت رتبته يحجز مواطن مصرى دون أى وجه حق للتنكيل به كما كان يحدث فى الماضى ..
** نعم .. مصر تولد من جديد ، فأمامنا مشوار طويل لكى نزيل أثار ما دمرتة السنين الطويلة الماضية .. فمصر لن تسمح بأن تتهاون فى حقها لحظة واحدة ، أو تفرط فى قطرة مياه من نهر النيل العظيم التى هى من حقها .. فهناك إتفاقات بين دول حوض نهر النيل .. بأن مصر لن تتنازل عن بند واحد من هذه البنود لهذه الإتفاقيات .. لأن القيادة لم تعد رخوة كما كان ، أو يوجد من يجرؤ على التأمر على هذا الشعب العظيم .. أو على قيادته الحكيمة أو على جيشه الوطنى كما حدث فى السنين الماضية ...

صوت الأقباط المصريين

عباس يقمع الشعب الفلسطيني/ ابراهيم الشيخ

جاءت عملية خطف المستوطنين الصهاينة الثلاثة الذين يعيثون في الارض الفلسطينية فسادا وخرابا كامتحان لمحمود عباس ومدى اخلاصه لدولة الاحتلال ودفاعه عن التنسيق الامني المشين، والذي بالفعل يُضِحك من لم يضحك قي حياته، لان تنسيق امني مع محتل غاصب ينهب الارض ويقتل الناس ويسجن الالاف من ابناء الشعب الفلسطيني ما هو الا دعما لهذا المحتل وابقاء احتلاله وحتى  مساعدته على اطالة هذا الاحتلال وتصرفاته التعسفية بحق الشعب الفلسطيني ، وايضا يزيد من تعنته من ناحية عدم تقديم اي تنازلات للسلطة التي ارادت لنفسها ان تكون اداة طيعة بأيدي هذا الاحتلال من اجل مكتسبات ومصالح انية لأشخاص نافذين في هذه السلطة.
يمكن القول ان عباس افرح الاسرائيليين بتصريحاته حول المختطفين الصهاينة وقدم ولائه واخلاصه لهذه الدولة كما يجب، وهو بالتأكيد لن يحصل على شيء في المقابل سوى الثناء، وأغضب قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني التي تستهجن هذه التصريحات وتصرفاته التي لا تليق برئيس سلطة تمثل الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال، وبدون شك ان الجزء المستفيد من هذه السلطة لا يجرؤ على الانتقاد مهما فعل عباس، وذلك خوفا على فقدان المناصب الوهمية التي يتمتعون بها والمكاسب المادية. 
ومن غير شك ان اول المتضررين من عملية الخطف هو السلطة الفلسطينية التي طالما تباهت بالتنسيق الامني وابداء حسن النية تجاة العدو الصهيوني من اجل نيل رضى هذا العدو، ولو ادى ذلك الى الكشف عن خلايا المقاومة في الضفة الغربية، ولكن هل السلطة عبر تنسيقها الامني  اذا كان مفيدا للجانب الفلسطيني فهي غير قادرة على إطلاق اي اسير فلسطيني من السجون الاسرائيلية، ولا تكتفي سلطة اوسلو بذلك وانما تقوم بقمع الصحفييين واي تحرك او تضاهرة للتضامن مع الاسرى كما حصل في الخليل مؤخرا، ولا نرى هذه الشرطة الباسلة الا خلال قمع التظاهرات، ولا نرى لها اثرا او اي وجود اثناء دخول القوات الاسرائيلية الى المدن الفلسطينية وانتهاك حرمات البيوت الفلسطينية، فيمكن القول ان هذه الشرطة وقوات الامن الفلسطينية ومن يعطيها الاوامر لا تملك ذرة من الوطنية لانها تُستعمل فقط لقمع الشعب الفلسطيني.
فاعلان عباس وفي مناسبات عديدة بانه لن يكون هناك انتفاضة ثالثة ضد مغتصبي الارض الصهاينة، لهو اكبر عملية قمع للشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال ومن حقه ممارسة المقاومة بكافة اشكالها، وان سياسة  العقلانية واللاعنف التي ينتهجها لا تنفع مع هذا العدو الذي لا يفهم سوى لغة القوة.  
اذا كان هذا نموذج الدولة الفلسطينية القادمة من خلال سلطة تمارس القمع بحق شعبها ولا تسمح بالتعبير عن الرأي فنستطيع القول بأنها لا تختلف بشيء عن الانظمة الدكتاتورية العربية  ولا بل اسوأ منها، ويبدو ان السلطة وامنها لم يتعلموا مما يحصل في الوطن العربي من تغيرات، وجل ما يهم هذه السلطة اصبح المحافظة على نفسها، بغض النظر عما يريده الشعب الفلسطيني واصبح هناك شرخا كبيرا بين هذه السلطة وهذا الشعب الذي يريد ممارسة حقه بالحرية والمقاومة.
إذا كانت اسباب الربيع العربي الذي بدأ بريئا من قبل شعوب ارادت الحرية والعيش الكريم دون استغلال مقدراته وتعبه من قبل سلطات لا تعرف الرحمة، ومن ثم واستغل وتم حرفه عن مساره من اجل ان لا تسود الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي، فالوضع الفلسطيني أسوأ من الاوضاع في الدول العربية الاخرى، حيث يعاني الفلسطينيون من فساد سلطوي، من ضائقة اقتصادية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو في الشتات، وخاصة في المخيمات الفلسطينية الموزعة في الدول العربية المجاورة لفلسطين، وعلاوة على ذلك هناك احتلال يجثم على الارض الفلسطينية وينهبها شبرا شبرأ غير عابئ بالسلطة الفلسطينية التي لا تجرؤ على الانضمام الى المعاهدات الدولية من اجل محاسبة اسرائيل على جرائمها، ولا بالدول العربية التي لا تجيد  سوى الشجب والاستنكار.
لكل هذه الاسباب من حق الشعب الفلسطيني المقاومة واشعال انتفاضة ثالثة ورابعة وعدم الاستكانة لكنس الاحتلال والعمل على كل ما يعيد الاسرى الى ذويهم، لان السلطة فشلت في تحقيق اي هدف يحقق لللشعب الفلسطيني طموحاته خلال عشرين عاما من المفاوضات العبثية التي يستفيد منها العدو بالتمدد على الارض الفلسطينية، فقمع الشعب الفلسطيني هو لصالح اسرائيل وان التاريخ لن يرحم هؤلاء الذين يطيلون من أمد الاحتلال وأمد معاناة الشعب الفلسطيني الذي من الممكن ان يطيح بكل هذه القيادات، وان الشعوب تمهل ولا تهمل.

زجلية مهرجان (يلا نغني سوا)!/ آمال عوّاد رضوان




ضمن مهرجانها السنوي الثامن "يلّا نغني سوا 2014"، أقامت جوقة الكروان العبلينية أمسية زجلية أدبية، في مقرها المعهد الموسيقي وجوقة الكروان في عبلين، وذلك بتاريخ 19-6-2014، وتحت عنوان "أضواء على الزجل"، وقد أحيى الأمسية كل من الزجّالين: الزجال د. سامر خوري من عيلبون، والزجال حسام برانسي من الرينة، والزجال عباس عباس من كفركنا، واليافع أمير شراري منيافة الناصرة، وتولى عرافة الحفل الأستاذ الأديب زهير دعيم، وقد تفاعل الحضور مع دعابة السجالات الزجلية وطرافة المناورات الشعرية، وفي ختام الأمسية شكر الأستاذ زهير دعيم الحضور الذواق، والزجالين المشاركين بالأمسية، والفنان نبيه مايسترو جوقة الكروان، القائم تنظيم المهرجان وهذه الأمسية الزجلية، ومن ثم تمّ التقاط الصور التذكارية.
جاء في كلمة الأستاذ زهير دعيم:
الزجل حضارة الشعوب، كل الشعوب، رغم الحضارة التي تقفز في حياتنا قفزًا، وتجعلنا أحيانا كثيرة نلهث خلفها، ولا يمكن أن تتنصل من تراثها وإرثها الحضاريّ، والأمم التي قطعت صلتها بالماضي وبالتراث والجدود، لا يمكن أن تبني وطنها على الصخر، بل سيكون حتما مبنيًّا على الرمل.
وقد قالت العامّة: "من ليس له قديم ما له جديد".
صحيح أنه يجب علينا أن ننظر دومًا إلى الأمام، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتزود بقبس من تراث الأجداد، وبأريج من الماضي العبق، من ذلك الأريج الحضاري الذي أحبّه، واغترف منه بين الفينة والفينة هو الشعر العامي (الزجل)، هذا الشعر الذي ولد في أحضان الجمال، وعاش في قلب الشلال، وفي أصوات العنادل، و"وهمس الجفون" .
هذا الشعر الهامس الذي يدخل القلب فينعشه، يمتلك ناصية الروح بشفافيته، وكثيرًا ما أقف دهِشًا أمام تعبير عامّيّ أصيل، يتعذّر على فصيح الكلام مجاراته، فيقف عاجزا!
الزجل حضارة، بل الحضارة زجل بَليل، يغسل الهموم والأدران ولو لساعات. 
الزجل الأصيل غزلٌ، مشروعٌ يرفع المحبوبة إلى مصاف عشتروت ويارا وأفروديت.
الزجل يُثلج الصدر في هذا الزمن القائظ والمشحون بالتوتر، فهاكُم نزرًا يسيرًا ممّا استملحت، وهو كثير، من دنيا الزجل.
قال أحدهم لآنسة جميلة تحمل شمسية: عيونك لو لمَسوني لمْس/ بحيا.. لو كِنّي بالرّمس/ الله يْعين الشمسيّة/ الـ فوقها شمس وتحتها شمس. 
أمّا الشاعر اللبناني جورج خليل فقد قال عن آدم وحواء : آدم بَيِّ الخليقة/ تحمّلْ حوّا الرقيقة/ وعلّمها البوسِة بالتِّم/ حتّى يْسَكِّتْها دقيقة. 
سأل أحد الشعراء فتاة عن سبب الورم الذي أصاب شفتيها فأجابته: يَظهر أنّ فيهما عسلٌ، فقد لسَعتْهما النّحلة! 
فقال: هالنحلة يِخْرِب ذوْقها/ شو مَهضومِة وعيّوقة/ مِش رَح أحْكُمْ عَ شْفافِك/ حتّى أَعْقُصْها وأذوقها. 
غزلٌ بريء، معسولٌ، وشِعرٌ يَشدُّكَ دوْمًا لتشربَ من مائه الزلال، ويَشدُّنا أكثر إلى حضارتنا العريقة الملآى بالأمجاد والمروءة.
فهيا نحثُّ الخطى نحو الأمام، وزادُنا التراث والحضارة ومخافة الله .

الإحتلال وحده من يتحمل المسؤولية/ راسم عبيدات

اسرائيل في اعقاب إختطاف مستوطنيها الثلاثة اعلنت حرباً شاملة على الشعب الفلسطيني،حيث إستدعت اسرائيل قوات إحتياطها،وادخلت الى مدينة الخليل الآلاف الجنود حيث تنكل تلك القوات بسكان محافظة الخليل من خلال عمليات المداهمة والتفتيش والتي تطال البشر والحجر والشجر والحيوانات،والحد من حرية الحركة والتنقل لسكان المدينة وقراها،ومنع الدخول الى داخل الخط الأخضر ومدينة القدس،وكذلك شهدت الضفة الغربية عمليات اعتقال غير مسبوقة طالت العشرات من انصار واعضاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي،وهذه العملية مستمرة ومتواصلة ومرشحة للتوسع،ناهيك عن عمليات القصف المتواصلة لقطاع غزة،والإحتلال جل إهتمامه يتركز على المستوطنين المختطفين،ولا يرى في إجراءاته وممارساته والتي وصلت حداً لا يطاق سبباً لما جرى وسيجري،ويحمل السلطة الفلسطينية المجردة من السلطة والصلاحيات المسؤولية عن عملية الخطف،رغم ان العملية جرت في منطقة (سي) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة،وفي الوضع الحالي اليوم لا فرق بين مناطق (الف) و(بي) و(سي)،وكذلك فالرئيس عباس طالب الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتعاون الكامل مع اجهزة الأمن الإسرائيلي لضمان سلامة المخطوفين وعودتهم،وحديثه عن قدسية التنسيق الأمني يندرج في هذا السياق.

اسرائيل لا ترى بما تقوم به من اعمال عربدة وبلطجة وإذلال وتنكيل بحق الشعب الفلسطيني،والتنغيص عليه في كل تفاصيل حياته اليومية سبباً لما يجري،فهي تريد من الشعب الفلسطيني ان يستقبل القرارات الإسرائيلية ببناء ألآلاف الوحدات الإستيطانية بالورود والرياحين،وان يستقبل سن تشريعات تمنع تقديم موعد إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من اصحاب الأحكام المؤبدة بالزغاريد والأهازيج،ومحاولة السيطرة على المسجد الأقصى وتقسيمه زمانياً ومكانياً بقرع الطبول وضرب الدفوف،وإغلاق اي نافذة للحل السياسي وترسيخ الإحتلال وتشريعه فيه"مصلحة" و"خير" و"منفعة" للشعب الفلسطيني.

الإحتلال "يتغول" في كل شيء،وينكر حقوق شعبنا ويدمر إنسانيتنا وآدميتنا،ويحرمنا من ابسط مقومات الحياة البشرية،ويريدنا أن نفتخر بذلك،وان نقدم له ولمستوطنيه الشكر والطاعة،فهو موافق على بقاءنا على قيد الحياة،فهل هناك اوقح من هذا الإحتلال..؟؟ بالمفاوضات يرفض تقديم أي تنازل جدي من اجل إيجاد مخرج وحل لهذا الصراع،فهو يريد تلك المفاوضات من اجل خلق حقائق ووقائع جديدة على الأرض وإستكمال مشاريعه في الإستيطان والتطهير العرقي،وعندما تتجه السلطة الفلسطينية لتشكيل حكومة"توافق" وطني،يخرج عليك قادة اسرائيل،بأن عباس إختار "الإرهاب" على السلام من خلال التحالف مع حماس،وكأن اسرائيل في المفاوضات قدمت لعباس دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران؟؟،وهي طول فترة المفاوضات،تقول بان عباس ضعيف ولا يسيطر على قطاع غزة،وعندما يشكل حكومة"توافق" وطني،يتحالف مع "الإرهاب" ضد السلام،وحتى محظور عليه التوجه للمؤسسات الدولية،من اجل ان ينضم الى مؤسساتها الدولية،في إطار الحق المكفول والمشروع له كدولة مراقب في الأمم المتحدة..؟؟وبعد رفض اسرائيل الإلتزام والوفاء بتعهداتها بإطلاق سراح أسرى ما قبل اوسلو ال(104) مقابل عدم التوجه والإنضمام الى المنظمات والهيئات والمؤسسات والوكالات الدولية،توجهت السلطة وقدمت طلبات إنضمام الى (15) وكالة ومنظمة دولية،ونتيجة لذلك اقامة اسرائيل الدنيا واقعدتها وهددت السلطة بسلسلة من العقوبات إن هي إستمرت في هذا النهج او خطة خطوة اخرى،على طريق إستكمال عضويتها في المؤسسات والمنظمات والهيئات الدولية الأخرى،وبالذات اتفاق روما ومحكمة الجنايات الدولية.
إن ما حدث في الخليل،من يتحمل مسؤولياته بشكل مباشر،هو الإحتلال الذي يمعن في قهر وإذلال شعبنا،ودفعه الى خانات اليأس والإحباط وفقدان الأمل،فما دامت العقلية الإسرائيلية قائمة على القمع والتكيل ورفض الإعتراف بحقوق شعبنا الفلسطيني،وسن تشريعات وإصدار قوانين من شأنها ان تعيد أسرانا في أكياس بلاستيكية سوداء،فلا اعتقد بان لا اهالي الأسر ى ولا الفصائل ولا حتى السلطة تقبل بذلك،فعندما تغلق كل الطرق والسبل أمام الأسرى للتحرر من الأسر،فماذا يتوقع الإحتلال من ذلك..؟؟.
فكيري الذي يحث الرئيس ابو مازن للتدخل من اجل تامين إطلاق سراح الإسرائيليين الثلاثة المخطوفين،لم ينبس بكلمة واحدة،وكان مصاباً بالخرس،عندما يتعلق الأمر باكثر من (5200) اسير فلسطيني في سجون الإحتلال،تمارس بحقهم شتى انواع القمع والتنكيل والتعذيب،وكذلك عندما تخرق إسرائيل القانون الدولي وتحتجز اكثر من (180) أسير فلسطيني،وفق ما يسمى الإعتقال الإداري،بدون تهم واضحة ومحددة ومحاكمات،ويخوضون إضرابا مفتوحاً عن الطعام دخل يومه الثالث والخمسين،وبما يهدد حياتهم للخطر والموت،لم يحتج كيري ولم يدعو اسرائيل لإطلاق سراح هؤلاء الأسرى،ووقف سياسة الإعتقال الإداري المتعارضة مع كل الإتفاقيات والقوانين والمواثيق الدولية.
السلطة الفلسطينية،كما هو الإحتلال بات عليها التفكير مليون مرة فيما يحصل ويجري على الأرض،فهي تتحدث عن الحل السياسي والمفاوضات والتنسيق الأمني وقدسيته،والإحتلال يواصل كل إجراءاته وممارساته القمعية على الأرض،وكان تلك السلطة تعاند الواقع والوقائع،وتريد ان تستحلب الثور،فهذه الحكومة تعلن علناً وجهراً بأنها ماضية في مشاريعها الإستيطانية في كل منطقة القدس والضفة الغربية وعلى كل مساحة فلسطين التاريخية،وهي تشرع وتصدر المزيد من القوانين لجهة التهويد والأسرلة،وكذلك الحكم على الأسرى بالإعدام ولكن بطريقة الموت البطيء،فعن اي حل سياسي تتحدث السلطة؟؟فالشعب الفلسطيني لم يعد يثق بالسلطة ولا بمشروعها السياسي،وهيبتها تزداد تآكلاً في أذهان الجماهير،تلك الجماهير التي باتت على قناعة بأن السلطة حتى في ما يسمى بحكومة التوافق المصالح الخاصة والفئوية فوق مصالح الشعب الفلسطيني.
فالخليل هي الرسالة المزدوجة للمحتلين أوقفوا قمعكم وإذلالكم لشعبنا الفلسطيني،وانهوا إحتلالكم وارحلوا عنا،وللسلطة يكفي السير واللهاث خلف السراب فمشروعكم السياسي،لن يؤدي الى إحقاق حقوقنا،فلا هو يوفر لا دولة فلسطينية مستقلة ولا قدس ولا عودة لللاجئين.

الخطف بين الضريبة والغنيمة/ د. مصطفى يوسف اللداوي

لا يبدو أن أحداً من الفلسطينيين نادمٌ على خطف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة، على الرغم من الحملة الأمنية الإسرائيلية الشرسة، التي طالت مئات الفلسطينيين، وداهمت آلاف البيوت، وأغلقت المدن والقرى، والتي تهدد بالمزيد من الإجراءات القمعية القاسية، التي تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن اجراءاتٍ عقابيةٍ قاسية لا تستثنِ أحداً، والتي قد تطول زمناً، وقد تتسع أهدافاً، وتتجاوز السبب الذي انطلقت من أجله، وبسببه بدأت.
ما زالت الذاكرة الفلسطينية تحفظ وتذكر حالة السعار ونوبة الجنون، وحالة الفوضى والاضطراب، والتخبط الأعمى المريض، التي أصابت العدو الصهيوني إثر أسر المقاومة الفلسطينية الجندي الإسرائيلي جيلعاد شاليط، إذ فتح العدو الصهيوني فوهات النار من الجو والبر والبحر على قطاع غزة، الذي شن عليه حربين كبيرتين في محاولةٍ منه لاستعادة الجندي الأسير، قتل خلالها آلاف الفلسطينيين، واغتال المئات من الكوادر والقيادات العسكرية للمقاومة، وخرب خلال حروبه واعتداءاته القطاع، ودمر بنيته التحتية، وحاصر أهله لسنواتٍ وأغلق معابره، وحرم المواطنين من حقوقهم في العمل والسفر والعلاج والتعليم، وما زال على سياسته نفسها ضد القطاع حتى اليوم، لم يغير ولم يبدل فيها شئ.
يدرك الفلسطينيون أن التاريخ سيتكرر، وأن العدو الصهيوني الذي لم ولن يتبدل، ولن يغير من طبيعته التي  تقوم على العنف، وتعتمد القتل، وتنفذ سياساتٍ عنصرية بغيضة، سيعيد تكرار سياسته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وقد مضى فعلاً في اعتقال الوزراء والنواب وقادة وكودار الفصائل الفلسطينية، كما أعاد اعتقال الأسرى المحررين ضمن صفقة وفاء الأحرار، وداهم البيوت والمؤسسات والمساجد والجمعيات.
وما زالت كرة لهبه الحارقة وكرهه الحاقد تكبر وتزداد، وتتدحرج من الخليل إلى بقية المدن الفلسطينية، وهي تهدد بأعمالٍ حربية جديدة في قطاع غزة، وقد بدأتها بغاراتٍ عديدة طالت أكثر من هدفٍ فيه، وألحقت به وبسكانه خسائرة كثيرة، في رسائل دمويةٍ قد اعتاد الفلسطينيون على مثلها منه، إلا أنه لم يتعلم من تجاربه أنها لا تجدِ مع الفلسطينيين نفعاً، ولا تجبرهم على شئ، ولا تركعهم ذلاً، ولا تهينهم أسىً وحسرة، وأنها لم تتمكن رغم قسوتها وعنفها من كسر إرادته، ولا ثني عزيمته، ولا حرف مسيرته، ولا تعطيل مشروعه.
يتوقع الفلسطينيون الكثير من الإجراءات الإسرائيلية، وقد بدأوا بالاستعداد والتهيؤ لها، بجرأةٍ وشجاعة، وبصبرٍ غير عاجز، وبيقين غير شاك، بأنهم سيتجاوزون هذه الحملة، وسينجون من هذه المحنة، وسيخرجون منها أقوى مما كانوا عليه، إذ ما أضعفتهم الحروب، ولا أوهنت قواهم الاعتداءات، ولم تحط من قدراتهم العمليات العسكرية الإسرائيلية المتوالية، كما لم ترهبهم الاعتقالات والاغتيالات، ومحاولات التجويع والحصار، والعزل والعقاب والحرمان، وهم الذين دفعوا آلاف الشهداء ضريبة أسر جنديٍ واحد، فما شكا من الفلسطينيين أحد، ولا نال من المقاومة آخر، ولا ضج مما أصابهم ولحق بهم. 
رغم أن ما قد أصابهم كان كبيراً ومؤلماً، وموجعاً ومؤذياً، إلا أننا لم نسمع أن فلسطينياً قد اتهم المقاومة، أو حملها مسؤولية ما يجري، أو أنه أنَّبَها على فعلها، أو خطأها في عمليتها، أو دعاها لمراجعة حساباتها، والتفكير في خطواتها، والندم على بعض سياساتها، كما لم يصف أحدٌ ما قامت به المقاومة أنها مغامرة، أو عملٌ غير مسؤول، وأنها أضرت بالشعب، وعرضت مصالحه للخطر، واستجرت غضب العدو، وهيجت غرائزه العدوانية، وحرضت قواه العنصرية المتطرفة، وأخرجت أفاعيه وعقاربه من جحورها، وجددت السم الساكن في أحشائها، ليقتل المزيد، ويؤذي أكثر.
بل فرح الفلسطينيون قديماً رغم فداحة الغرم الذي تكبدوه، وعظم الضريبة التي دفعوها، وجسامة الفاتورة التي أدوها،  عندما حافظوا على الجندي الإسرائيلي أسيراً عندهم لسنواتٍ ولم يفرطوا به، ولم يتخلوا عنه، ولم يمكنوا العدو الإسرائيلي وأعوانه من الوصول إليه، رغم آلتهم العسكرية المدمرة، وتقنياتهم العلمية الهائلة، ووسائل التجسس والرقابة المهولة، والتعاون الدولي منقطع النظير، إلا أنهم فشلوا في استعادته إلا مرغمين، وحرروه لكن مكرهين، بعد التوقيع على صفقة تبادلٍ للأسرى، مكنت الشعب الفلسطيني من استعادة بعض أبنائه الأسرى، ممن ظن العدو أنهم أبداً لن يخرجوا من سجونه ومعتقلاته إلا جثتاً هامدة، وأجساداً صامتة، تدفن وتوارى في الثرى، فلا يراهم أهلهم، ولا يسعد بهم أولادهم وشعبهم. 
لا تظنوا أن الفلسطينيين خائفين من العقاب، أو قلقين من ردة الفعل الإسرائيلية، فهم قد اعتادوا على الصلف الإسرائيلي، وتعايشوا مع ظلمه واعتدائه، إذ هو ماضٍ في سياسته دون سببٍ أو مبرر، وقد لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير أسباب حملاته الأمنية المتكررة على شعبنا وأرضه، وهي حملاتٌ لم تتوقف ولم تنتهِ، فهي تمثل جزءاً رئيساً من سياسته، وتعبر عن طبيعته، وتترجم حقيقته، وما يقوم به من أعمال قتلٍ وقصفٍ واجتياحٍ واعتقالٍ، إنما يأتي ضمن الأنشطة الاعتيادية للجيش الإسرائيلي، فهي بالنسبة له أنشطة طبيعية، وعملياتٌ متوقعة، يجب أن يقوم بها جنوده ليحافظوا على حالة الاستنفار، وأجواء الحرب والقتال القائمة.
لهذا فإن الفلسطينيين راضين عما فعلوا، وفخورين بما قامت به مقاومتهم، وغير نادمين على فعلتهم، ولا يوافقون من ينتقدهم، ولا يرحبون بمن يحملهم المسؤولية، ولا يعنيهم أبداً من يخوفهم أو يقلقهم على مصيرٍ هم فيه كانوا، وفي ظله عاشوا، بل إنهم يتطلعون نحو المزيد، ويأملون بما هو أكثر، فهذه مسيرة تحرر، وثورة شعب، وانتفاضة حق، يلزمها التضحية والفداء، ويعوزها العمل والمقاومة والجهاد، فهنيئاً لمن ضحى وقدم، ومرحى بمن صبر على الألم، وعض على الجرح، وعزم على مواصلة الدرب، ومضى قدماً على ذات الطريق، بأملٍ ويقين، وثقةٍ وإيمانٍ وعزمٍ من حديد. 

قضاة وقانون داعش والاقباط فى مصر/ أشرف حلمى

ما تفعله داعش الإرهابية فى كل من سوريا والعراق وخاصة مع المسيحيين هناك من ترويع لايقل عما يفعله القضاء المصرى المخترق من قبل قضاة داعش الإرهابية وتفسير القانون حسب عقيدتهم لتطبيقة على المسيحيين فى مصر مستنداً لبعض مواد الدستور منذ زمن بعيد وحتى ما بعد ثورة يونيو . فمن المعروف ان القضاء المصرى مخترق منذ حكم مبارك وإزاد اختراقاً جراء حكم مرسى والارهابية وبرغم ثورة يونيو التى شارك فيها الشعب المصرى وخاصة المسيحيين الا انهم مازالوا يعانون الامرين وسط صمت الدولة وقيادتها تجاه ما يحدث لاقباطها .
فالرئيس عبد الفتاح السيسى المنتخب حديثاَ فى مرحلة التاسيس ومازال يعمل على إعادة بناء الدولة من الداخل لذلك لابد من ان يقوم بتطهير مؤسساتها من داعشى الاخوان اولاً وخاصة من هم فى الداخلية والقضاء حيث انهما العصاة القانونية الاخوانية التى يضرب بها معارضى الاخوان وخاصة الاقباط .
فمن المعروف لدى جميع المصريينحكومة وشعباً ان المسيحيين عملوا على إفساد خطة امريكا والغرب لاستخدام ورقة الاقباط واضطهادهم فى مصر منذ احداث الزاوية الحمراء مرورا بالكشح ونجع حمادى ثم القديسين وماسبيرو مع ضرب الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وحرق كنائسهم قبل وبعد ثورة يونيو هذا بالإضافة الى إزدراء الدين المسيحى وحرق الكتاب المقدس والجرائم الممنهجة ضدهم مثل اختطاف القاصرات واسلمتهم بعد اغتصابهم بالقوة وتلفيق التهم للاقباط لاستخدامها فى تهجيرهم القسرى من منازلهم , حتى تتدخل امريكا فى الشأن الداخلى المصرى .
فالحكم الاخير بحبس المتهمة زوراً بازداء الدين الاسلامى السيدة دميانه عبد النور مدرسة الدراسات الاجتماعية بمدرسة الشيخ سلطان الابتدائية بمحافظة الاقصر مدة ستة اشهر من بعد الطعن على الحكم السابق بغرامتها مبلغ ١٠٠ الف جنيه , فمن المعروف فى الطعن اما ان يخفف الحكم او يلغى . ولكن ان يتغير الحكم من الغرامة الى الحبس فهذا هو الاضطهاد بعينه والذى هو ما الإ رسالة واضحة لكل من هو مسيحى يريد الطعن فى هذا القضاء مستقبلاً .
فماذا سيفعل السيد الرئيس وحكومته تجاة ما حدث للاقباط وما سيحدث مستقبلاً وخاصة فى الفترة القادمة ؟ هل سيترك الحال كما هو عليه ؟
ام سيترك الامور كما تركها مبارك من قبل ويبدأ سيناريو السلفيين والتخبيط فى الاقباط من جديد بدعم الاخوان المتواجدين فى كل من الشرطة والقضاء وتاجيج الفتن الطائفية مجدداً لتهييج الراى العام عن تقصير الحكومة فى حماية الاقباط ومن ثم يلجا الاقباط الى إثارة الراى العام العالمى وهذا ما تريده امريكا والدول الغربية لإعطائها الفرصة للوصول الى اهدافها فى مصر .
لذا اطالب السيد الرئيس للتدخل لوقف المهازل التى يقوم بها القضاة ورجال الشرطة المتاسلمين والذين سوف يقومون بتعكير الجو الوطنى المصرى الذى تعيشة مصر فى الفترة القادمة والتى بدأت بالفعل فى الموقعة العرفية فى المطرية الاسبوع الماضى وحبس دميانة عبد النور هذا الاسبوع . 
فالكرة الان فى ملعب كل من الرئيس والحكومة لاعادة مصر الى سابق عهدها والعمل على النهوض بها الى مستقبل افضل من خلال إعادة النظر فى إعادة تعينات كل من له سلطه مشكوك فى امرها وخاصة من قام بفرضه نظام مرسى الداعشى السابق فى المناصب القضائية والقيادية فى مؤسسات الدولة .

خارطة الوطن أو خارطة الكنز‏/ كافي علي

قبل سنة كتبنا مقال " فخ ولاية الفقيه " كقراءة للأحداث مندفعين بحجم العنف المتوقع من سياسة تديرها حكومة محاصصة فاشلة بقيادة رجل طائفي لا يمتلك من مؤهلات القيادة غير إثارة الفتن واختلاق الأزمات. لم تكن جرس إنذار ولكن نغمة نشاز عسى أن تزعج احد اللاهثين خلف الخراب فيتوقف ويلتفت. قلنا لا تفرطوا بأهلنا من العراقيين السنة من أجل مشروع طائفي يتخذ من الجثث معبراً له. إذا عجز محمد وهو رسول الله عن جمع قريش ...على كلمة فأنى للعراقيين أن يفعلوا؟ 
العنف الدموي وانتشار داعش في المناطق السنية العراقية تغيير لإستراتيجية القوى المتناحرة في سوريا. لن يتمكن الخليج المهدد بمشروع ولاية الفقيه من تمزيق ما يسمى بالهلال الشيعي في المنطقة إلا بنقل الاقتتال الطائفي من سوريا إلى العراق. العراق معبر العقل العسكري الإيراني ومصدر الإمدادات الاقتصادية والبشرية لسوريا، هو عقدة الحل للأزمة السورية ورمح الحد للمشروع الإيراني في المنطقة. لقد تم اجهاض المشروع القطري في خلق ثورة إسلامية اخوانية يلعب فيها الشيخ القرضاوي دور الإمام الخميني، تتصدى للمشروع الإيراني وتنقل أرومة الإسلام السني من السعودية إلى تركيا. اثمرت العلاقات السعودية الامريكية بعزل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني وتحجيم قناة الجزيرة. بعث روح القومية بتنصيب السيسي زعيما لمصر العروبة. العمل على إعداد قوة عسكرية عربية لاحت بوادرها في المناورات العسكرية الجارية في الاردن وعودة التجنيد الالزامي في الامارات. أخيراً قيام الجيش الحر في سوريا بمحاصرة داعش وإبعادهم إلى المناطق السنية العراقية لأسباب أولها قطع حلقة الوصل بين ايران وسوريا. ثانيها، جعل المجاميع الإرهابية بمواجهة مباشرة مع إيران والمليشيات الشيعية الموالية لها وقد يبرر هذا لقاء مريم رجوي مع احمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في باريس. ثالثها، إعادة الهوية العربية لبغداد.
بعد أن إستيقظ الغول الطائفي من سباته،نكتب للعراقيين الوطنين الذين يرسمون خارطة الوطن لا للذين يبحثون في خرابه عن خارطة الكنز.


الانبا بولا يتاجر بدماء شهداء ماسبيرو/ أشرف حلمى

 خلال لقاء له فى برنامج من الآخر صرح الانبا بولا رئيس المجلس الأكليركى والمسئول عن الأحوال الشخصية للأقباط وصاحب موقعة الكلب فى عهد المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث بأن المسيحيين لو كانت مطالبهم مسيحية بحتة لتم حلها داخل الكنيسة كما اكد خلال هذا القاء بتصريح مثير للجدل اغضب اخواتنا المسلميين قبل المسيحيين وخاصة اهالى الشهداء حيث قال يجب على الأقباط أن ينسوا حادثة ماسبيرو , هذه المذبحة التى راح ضحيتها ما يصل إلى ٢٧ شخصًا مسيحيًا تحت عجلات وجنازير المدرعات العسكرية والتى كان بطلها كل من المجلس العسكرى السابق طنطاوى /عنان والتليفزيون المصرى والتى زلزلت العالم نظراَ لبشاعتها واستخدام القوة والاليات العسكرية ضد متظاهرين سلميين لا حول لهم ولا قوة .
تلك التصريحات الغير مسئولة للاسف جاءت على لسان احد أساقفة المجمع المقدس وممثل الكنيسة فى لجنة الخمسين التى وضعت الدستور الجديد للبلاد والتى تمثل اهانة لحقوق الشهداء واستهتاراً بدمائهم وعدم إحترام القانون بدلاً من مطالبة الدولة بتقديم الجناة والمحرضون على المذبحة حتى لو كان رئيس الجمهورية نفسه طرفاً فيها للعدالة .
فعندما يطلب من  اقباط مصر نسيان الشهداء المسيحيين والذين ضحوا بدمائهم على اسم السيد المسيح له كل مجد بتلك الصورة المشينة بناءاً على طلب صاحب النيافة الانبا بولا الذى لن يفعل شئ من أجلهم فلابد من رفع شكوى الى قداسة البابا تواضروس الثانى لوضع حداً لتصريحات الانبا بولا وامثاله والتى ما هى إلا استهتاراً بالاقباط ومطالبهم والاستخفاف بعقولهم ومحاولة فرض سيادة تكميم الافواه لفرض سيطرتهم على الشعب القبطى تحت شعار ( ابن الطاعة تحل عليه البركة ) واعادة زج الكنيسة فى سياسة الدولة من جديد . 
فاذا لم تتخذ الكنيسة القبطية الارثوذكسية ممثلة فى قداسة البابا تاواضروس موقفاً تجاه تلك التصريحات فعليها اذا إعادة النظر فى 
١ - موقف الكنيسة من الاحتفال بعيد النيروز ذكرى الشهداء والتى قدمت فيها مصر عدداً من الشهداء فاق عدد الشهداء المسيحيين في كل العالم .
٢ - موقف الكنيسة من كتاب السنكسار واعادة تصنيف الشهداء من جديد وما اذا كانت الكنيسة ستذكر شهداء العصر الحديث بداية من عهد عبد الناصر حتى وقتنا هذا ام لا ؟  
هل جاءت تصريحات نيافة الانبا بولا نتيجة تأثير مباحثاتة مع السيد برهامى السلفى ؟ بناءاً على افكاره ومعتقداتة اثناء جلساتهما الدستورية معاً ام انها جاءت نتيجة لتعليمات امن الدولة لإختبار مدى رد فعل اقباط مصر حال حفظ قضية شهداء ماسبيرو وغلقها كما حفظت جميع القضايا التى كان الاقباط طرفاً فيها وخاصة وان المتورطين فيها اعضاء المجلس العسكرى السابق . ام ان هناك مفاوضات سرية لقبول مصالحة عرفية على غرار مصالحة المطرية الشرعية حيث تهدر حقوق هولاء الابرياء طبقاَ لاحكام الشريعة كما هو متبع خراب ديار اهالى الضحايا وتكون النتيجة تقديم ٢,٧ مليون دولاً للمجلس العسكرى غرامه على الشهداء  للوقوف امام المدرعات , اإضافة الى ٢٧٠٠ ناقة لاطعام عائلات اعضاء المجلس العسكرى و ٥٤٠٠ متر مربع لإقامة مركز تدريب للقوات المسلحة . 
فدماء شهداء ماسبيرو امانة فى رقبة كل مصرى ولابد من تعقب المجلس العسكرى وكل من له يد فى هذا العمل الارهابى . فهولاء القتلة ليسوا افضل من كل من المخلوع مبارك والمعزول مرسى وتقدمهم الى العدالة حتى لو اقتضى الامر الى اللجوء للتحكيم الدولى بتهمة الإبادة الجماعية .

محاولة اغتيال قانونية...الجزء التاسع/ فراس الور

خارجي : 
فُنْدُق مِنْ فَنَادِقْ القَاهِرْة الراقِيَة، في داخِلْ مَقْهَى في بَهُو الفُنْدُق، التَوْقيت مَسَاءاً   

داخلي : 
يكونان الرائِدْ حَسَن نَصًار و المُحَقِقَة راوِيَة جادالله جالِسَيْن في المَقْهَى يَتَحاوران حَوْلَ ما حَدَثَ مَعَهُم اليوم في الباطِنِيَة، و تَكون ملامِحْ الإجْهَاد و الصَدْمَة مَرْسومَة على وُجْهِهُم مِنْ متاعِبِهِم الوَظيفِيَة، 

المُحَقِقَة : أنا مازِلْت مَصْعوقَة مِنْ ما جرى اليوم،

المُعاوِنْ : انا مَصْدوم مِنْ امْرَيْن، مَنْظَر رأْسِ الحاجِبْ و الدِماء تَنْزِفْ مِنْهُ و التَنْظيم الذي كَشَفَهُ لنا اسْتِجوابِنَا لِلْحاجِبْ...

المُحَقِقَة بِتَوَتُر : لَمْ يُكْمِل الكَلِمَة...قال هايرو ثُمَ الرصاصَة كَتَمَتْ باقي الكَلِمَة، و كأَنًهُم كانوا يُنْصِتون لِلْحوار الدائِرْ بَيْنَنا، 

المُعاوِنْ : هَذِهِ مافيا كَبيرَة جداً و مُنَظَمَة، لا أُخْفي عَليكِ قَدْ نَكون مُراقَبين حَالياً، الذي تَصَرًفَ مَعَنا بِهَذِهِ الجُرأة قَدْ يَلْعَبْ لُعْب كَبير جداً مَعَنا في المُسْتَقْبَل،

يَلْتَفِتْ مِنْ حَوْلِه قَليلاً ثُمَ يُنادي : جارْسون،

المُحَقِقَة : أنا اريد بَعْضَاً مِنْ اليانْسون لِتَهْدَءْ اعْصَابي قَليلاً،

المُعاوِنْ لِلْجارسون الذي يَقْتَرِبْ مِنْهُم : واحِدْ يانْسون و فِنْجَان قَهْوَة وَسَط لَوْ سَمَحْت،

يَذْهَب الجارسون لِيُكْمِلْ حَديثُه لِلْمُحَقِقَة : ما هي الخُطْوَة القَادِمَة؟ هَلْ سَنُكْمِل اجراءات التَحْقيقات بِمُفْرَدِنا؟ امْ سَنَطْلُب مِنْ مَكْتَب التَحقيقات المَرْكزي مُسَاعَدَتِنا؟

المُحَقِقَة بإسْتِيَاء : يا إلهي لا تُكْمِل حَديثَكْ، في آخِرْ مَرًة تَعامَلوا بِقَضِيَة مَعَنا انْتَهَى الأمْر بِمُشْكِلَة كُبْرى بَيْني و بَيْن رئيس الجِهَاز، كانَتْ قَضِيَة تَهْريب اثار و كان المُتَوَرِطْ بها اسْم مِنْ الاسْمَاء الكبيرة بالدَوْلَة، دَخَلَ عَليً رَئيسْ التَحْقيقات المَرْكَزي و كأَنًهُ الرَجُل الوَحيد الذي سَيُخَلِصْ البَشَرِيَة مِنْ مَشَاكِلَهُم، و بِكُل تَكَبُر و عَظَمَة قال لي خِطًةَ العَمَل، و حينَمَا انْتَهى طَلَبْ مني التَعاوُن بِنَتْفيذِها،

المُعاوِنْ : هَلْ تَنازَلْتِ لَهُ و اطَعْتي اوامِرَهُ،

المُحَقِقَة بِقَليل مِنْ الحَزْم : قَطْعَاً لا، فأنا و هُوَ رُتْبَتُنا عَقيد، و هُوَ رئيس جِهاز كَما انًني اراس جِهاز امْني بالدَوْلَة، المَوْضوع انًهُ بَعْدَ طول مُراقَبَة عَمَلِيَات الرجل المَشْبوه تَبَيًنَ انًهُ يُهَرِب اثار بالتَعاون مَعْ مالِكْ شَرِكَة مِلاحِيَة و يَتَقاسَموا الارْبَاح بَيْنَهُم، و كان مِنْ المَفْروض يَسْتَلِموا شُحْنَة جَديدَة لَيْلاً بِمينَاء مَهْجور عَنْ طَريق قوارِبْ توزيع صَغيرَة الحَجْم، و المُشْكِلَة انً وَكْرَهُم مَتين و العِصابَة بالعَادَة ما تكون مُسَلَحَة جيدا بِهَذِهِ الاثْنَاء، فأراد زميلي مُداهَمَةْ الميناء، اعْتَرَضْتُ و قُلْتُ لَهُ نُريد مُداهَمَة المَخْزَنْ لأنً حَجْم الحِراسَة اقَل هُنَاك، اصَرً بِكُلْ غُرور على رأيُه فَقُلْتُ لَهُ انً رجالي لَنْ يُشارِكوا بِهَذِهِ العَمَلِيَة لأنًهُ قَدْ يُقْتَلْ بها الكثير مِنْ افراد جِهازَنا، اصَرً عَليها و هَدًدَني انًهُ سَيُبَلِغْ رؤسائي بِعَدَمْ تَعاوُني...

المُعاوِنْ : متى حَصَلَتْ هَذِهِ القِصَة؟

المحققة : منذ اربعة سنين، قبل الثورة بسنة تقريبا،

المُعاوِنْ : هَلْ عاقبوكِ؟

المُحَقِقَة : لَمْ يَنْجَح بِتَبْليغ رُؤَسَائي، كانَتْ فَضيحَة كُبْرَى، المافيا قَضَتْ على نِصْف قوام القُوَة الذي اخَذَها مَعَهُ، ذَهَبَ ضَحِيَة مُداهَمَتْ القوارِبْ عِشْرين رَجُل مِنْ الأَمْن مَعْ الاَسَف،

المُعاوِنْ مُؤَكِداً : نَعَمْ...تَذَكًرْت هَذِهِ الحادِثَة، كانَتْ صَدْمَة لِلْراي العام فِعْلاً...لَمْ أَكُنْ اعْلَم انًكِ كُنْتِ مِنْ الضُباط المَسْؤلين...

المُحَقِقَة :  أَخَذَ تَوْبيخ عَليها لا مَثيلَ لَهُ، و لَمْ نَنْجَحْ لِغَايَةْ الآن بِمَسْك هذا الرَجُل فَجَمًدَ نَشَاط جَماعَتِهِ بَعْدَ هَذِهِ الكارِثَة، و لَمْ تَنْجَحْ القُوَة وَقْتَها بِمُصَادَرَة القِطَع المُهَرَبَة مِنْ شِدَةْ نيران العِصَابَة، كانَتْ قِطَعْ بِقيمَة مائَة مَلْيون دولار و قَدْ اسْتَبْسَلَتْ المافيا بالدِفاع عَنْها، 

المُعاوِنْ : المِسْكين زَميلُكِ، أنا مُتأَكِدْ انَهُم اسْتَغنوا عَنْ خَدماتِه، 

المُحَقِقَة : لا تَخَفْ، واسِطَتَهُ قَوِيَة، 

يَضْخَك المُعاوِنْ مَعْ المُخَقِقَة قليلا ثُمً يُعاوِد السُؤال و الجارسون يَقْتَرِب مِنْهُم : ما هي الخُطْوَة التالِيَة؟ نَحْنُ على الارْجَح سَنَمْضي بِمُفْرَدِنا، 

المُحَقِقَة : صِدْقاً انا لا اسْتَطيع التَفْكير حالِياً، لِنَحْتَسي ما طلبنا ثُمَ لِيَمْضي كُل واحِدْ مِنَا الى مَنْزِلِه، و في الغَدْ سَيَتَسَنا لنا التَفْكير بِصُورَة احْسَن، 

يَسْأل الجارسون بِلَبَاقَة الضيافَة المَعْهودَة : لَوْ سَمَحْتُم اليانوسن لِمَن؟

المُحَقِقَة : لي، 

يَضَعْ الجارسون كوب اليانْسون امام المُحَقِقَة و القَهْوَة امام المُعاوِنْ، ثُمَ يَضَعْ امامَهُم مِلْعَقَة صَغيرَة لِلْتَحريك و بَعْض مِنْ اكياس السُكَر الصَغيرَة و يَمْضي في سَبيلِه، 

المُعاوِنْ : انْتَ على حَقْ، و لَكِن اتَعْلَمي؟ يَجِبْ انْ اشْرِكَكِ بِشُعور يُراوِدُني مِنْ وَقْتِ وقوع جَريمَة قَتْل الحاجِبْ، يَقول لي ان تَحْقيقاتَنا سَتَتَوَسًعْ خارِجْ اطار جَريمَة قَتْل القاضي في المَحْكَمَة،

تَنْظُر اليهِ فَجْاَة المُحَقِقَة و تَقول : هَلْ هَذِهِ غَريزَتُكْ المِهَنِيَة امْ ماذا بالضَبْط...

تُمْسِك اكْيَاس السُكَر ثُمَ تَنْظُر الى المُعاوِنْ و هُوَ يُجيب : نَحْنُ امام جَريمَتي قَتْل و قَتْل مُنَظَم...الحاجِبْ قُتِلْ عَنْ طريق بُنْدُقِيَة قَنَاص و غالِباً تكون هَذِهِ المافيات تَعْمَلْ بالمَمْنوعات او بأَنْشِطَة مَحْظورَة ...

فَجْأَة تَنْظُر المُحَقِقَة الى وَرَقَة السُكَر الصَغيرة بَيْنَ يَدَيْها، تُديرُها بَيْنَ اصابِعِها لِبُرْهَة مِنْ الزَمَن ثُمَ تَرْتَسِم على وَجْهِها تعابير الصَدْمَة، يَسْالها المُعاوِنْ و هُوَ يَشْرَب القُهْوَة،

المُعاوِنْ : ماذا هُنَالِكْ،

المُحَقِقَة : قَدَرُنا بالغَدْ حَدًدَهُ كيس السُكَر،

المُعاوِنْ : ماذا تَقْصيدين؟

تُعْطي المُحَقِقَة كيس السُكَر الصَغير لِزَميلِها و تَأْمُرُه : اقراء الكيس و قول لي ما رايُكْ،

يَقراء المُحَقِق بِصَوْت مَسْموع : الشُرْكَة الوَطَنِيَة لِتَغْليف السُكَر،

يَنْظُر الى الكيس لِبِضْعَةِ ثواني و يَقول : البَلْطَجي...شَرِكَة تَغْليف السُكَر...و لَكِنًهُ قال مَحَل هايرو

المُحَقِقَة : انْظُر الى الجِهَة الثانِيَة لِلْكيس، 

يَنْظُر الى الجِهَة الثانِيَة لِتَرْتَسِم ملامِحْ المُفاجاة على وَجْهِه، فَيَقول : تُوَزِعُها مَحَلات هايروجليفكس، رُبَما كان صاحِبُنا البَلْطَجي فِعْلا مِنْ ذوى الامْلاكْ، 

المُحَقِقَة : لَيْسَتْ عِنْدَنَا أَيًةْ أَدِلًة أَوْ أَفْكَاْر لِتُنيرْ لَنَا الطَريقْ...فَقَطْ صِدْفَةْ تَطَابُقْ أَسْمَاءْ...

المعاون : ولَكِنًهَا بِدايَة...

يَنْتَهي هذا المَشْهَد هُنَا، 

*******

خارجي : 
مَنْزِل خال شيرين ابْنَة الوَكيل في السَيِدَة زينب - في الظهيرة في اليوم التالي 

داخلي : 
تكون شيرين في هذا المَشْهَد جالِسَة على سَريرها تَبْكي مِنْ الحُزْن و الخَوْف مِنْ والِدِها الذي يُعارِض دُخولها عالَمْ الفُنون و التَمْثيل، و يكون بِجانِبِها عُلْبَة صَغيرَة مِنْ المَحارِمْ تَسْحَب مِنْها وَرَقَة مِنْ حين لآخر لِتَجْفيف دُموعِها التي تَنْهَمِر بِكَثْرَة مِنْ عُيونِها، فَتُفَكِر بِذاتِها، 

شيرين : لماذا والدي يَتَصَرًف معي هَكَذا؟ لماذا لا يَتَفَهًمْ دوافِعي مِنْ التَسْجيل بِمَادَة الدرامة و التَمْثيل؟ ما هي جَريمَتي؟ هُنالِكْ طُلاب كُثْر يُسَجِلون بِهَذِهِ المادَة في كُلْ عام و هُمْ مُسْلِمون و يُصَلون الصَلاوات على مواعيدِها و يَصومون رَمَضان بالكامِلْ و لا يُقَصِرون، لماذا والدي عَكْسُهُم تماماً و يَقِفْ امام رَغْبَتي الدراسِيَة؟ بَسيطَة...سأُحاوِلْ انْ أُناقِشَهُ لَعَلًهُ سَيَتَفَهًم دوافِعي، و إذا رَفَضَ سأَطْلُب مِنْ خالي ان يُهَيٍئ لي هَذِهِ الغُرْفَة على الدوام كي اسْكُن بها و اكُمَلْ دِراسَتي...خالي يُحِبُني أكْثَر مِنْ والدي و لَنْ يُمانِع اقامَتي عِنْدَهُ، و لَكِنْ فالنَفْرِض انً والدي اصَرً ان آتي مَعَهُ الى البَيْت؟ رُبَما سَيَضْرِبُني و يَجْبِرُني انْ آتي مَعَهُ، 

تَنْهَضْ مِنْ على السَرير و تَسير الى شُرْفَةِ غُرْفَةِ النَوْم و تَفْتَح بابَها، تَسير في الشُرْفَة و تَسْتَنْشِق الهواء الطَلْق و الرَطِبْ، تَنْظُر الى السَمَاء المُلَبَدَة بالغُيوم قَليلاً ثُمَ الى البِنَايَة امامَهُم، و تَكون هَذِهِ البِنَايَة مُؤَلَفَة مِنْ خَمْسَة طوابِقْ و في الشَقَة امام شُرْفَتِها ترى مِنْ خِلال نافِذَتِها إمرأة مُنْهَمِكَة في العَمَل بِمَطْبَغ مَنْزِلِها، فَتَارَة تَقِفْ عِنْد فُرْن الغاز تَتَفَقًدْ الوِعَاء الحديدي التي تَطْهو بِهِ، و تارَة تَقِفْ بِجَانِبْ مِغْسَلَةِ المَطْبَخ تُقَطِعْ بَعْض مِنْ الخَضْروات اللازِمَة لِلْطَعام على الغاز، و بَعْدَ دَقيقَة مِنْ الزَمَن و هي واقِفَة تُحَرِك الطَعام في الوِعَاء الحَديدي يَدْخُل شاب عَليها اصْغَرَ مِنْها بالسِنْ و يَبْدَءْ بالضَحِك مَعَها، تَسْأَل ذاتَها، 

شيرين: رُبَما يكون اخاها الأصْغَر او ابْنِها...احَسْدِكَمُ على هذا الضَحِك فآخِرْ مَرًة ضَحِكْتُ بها مَعْ اهلي كانَتْ مُنْذُ سِنين...

فَجْأَة يُمْسِكْ الشاب كوبَ ماء و يَرْشِقْ بِهِ المَرأة، تَضْحَك ثُمَ تُلْحَق بِهِ و يَخْتَفِيَا عَنْ الأنْظَار...تَنْظُر شيرين الى شَقَة اسْفَل التي كانَتْ بها المَرأة في المَطْبَخ فَتَرى رَجُل يَحْضُن زَوْجَتَهُ بِحُنو دافئ، و تَكون يَدْ مِنْ يَدَيْه حَوْلَ خَصْرِها و بالآخرى يَقْلِب على مَدْفَأَة بَعْض مِنْ الكَسْتَناء، تَبْتَسِم لِلْمَنْظَر و تُفَكِر بِذاتِها...

شيرين : ياه، آخِرْ مَرًة حَضَنَ والدي والدتي بها كانَتْ رُبَما مِنْ ارْبَعَةِ سَنين، او رُبَما خَمْسَة...او رُبَما لا يَحْضُنْها بالمَرًة امامي بِمَا انًهُ مُتَدَيٍنْ او مُتَعَصِبْ...لا أعْلَم شَيْئ؟

تُكْمِل النَظَر الى الثُنائي و تَقول في ذاتِهَا: كان احياناً يُعامِلُها امامي بِقَسْوَة،

تَدْمَع عُيونُها مَرًة ثانِيَة و هي تُفَكِر : لماذا اسْهَل عَلينا بِمُجْتَمَعِنا الشَرْقي اظْهَار القَسْوَة عِوَض عَنْ الحُب؟ لماذا اظْهَار المَشاعِر عِنْدَنا حَرام و مُمَارَسَة القَسْوَة علانِيَة اهْوَن بِكَثير؟ حرام انْ يُقَبِلْ الرَجُل إمْرَأَتَهُ امام اوْلادِهِ و في الشارِعْ و حَرام ان يَضُمَها بِحُنو و حَلال إنْ ضَرَبَها، كَمْ مَرًة تَعَذًبْتُ و انا ارى والدي يُعامِلْ والِدَتي بِقَسْوَة و كَمْ مَرًة بَكيتُ مِنْ هَذِهِ المَناظِر المُؤْلِمَة التي تَتَكَرًرْ امامي، لا يُعْطي مُجْتَمَعِنا الهَمَجي خاطِرْ لأَذِيَة مَشاعِر الأولاد بالأُسَر التي تَشْهَد مَشاكِلْ عُنْف بَيْنَ الزَوْجَيْن، لَيْسَ مُهِمْ ما تَفْعَلُه هَذِهِ المَشاكِل بِنَفْس الأولاد...المُهِمْ انْ يَسْتَمِر هذا الصراع انْ وُجِدَ الى ان يَنْتَصِر أحَدْ افرادِهْ، و لَكِنْ بَعْدَ ماذا؟ بَعْدَ انْ يَتِم ارْهاق نَفْسِيَة الأولاد و اسْتِنْزاف طاقَةْ تَحَمُلِهِم،

تُمْعِن النَظَر الى الثُنائي الهائِمْ بِحُب بَعْض و تقول : يا لَيْت أهلي يَتَمَتًعوا بِتَفاهُمِكُم، يا لَيْتَهُم يَعْلَموا كَمْ ارتاح جينَمَا أخْلُد الى بَيْتِ خالي لأَتَلَذًذْ بالهُدوء المَوْجود بِبَيْتِهِم،

تَسْتَفيق شيرين مِنْ غَفْوَة الخواطِرْ و لِذَة مُشَاهَدَة الثُنائي على صَوْت هُدى و هي تُنادي،

زوجة الخال: شيرين؟ شيرين؟ حَبيبَتي،

تَسْتَدير شيرين الى الخَلْف لِتَجِد زَوْجَة خالها واقِفَة في مَدْخَل الشُرْفَة و بِيَدِها صَيْنِيَة عليها كوبين مِنْ الشاي، و يَكْسو وجْهَها ملامِحْ الخَوْف عليها فَتَقول :

زوجة الخال: ألا تَشْعُري بالبَرْد يا شيرين؟

تُجيب شيرين مُطَمْئِنَة : لا يا هُدى، أنا بخير،

تَضَعْ زَوْجَة الخال الصَيْنِيَة على السَرير بِسُرْعَة و تَسْحَب بِقَلَق شيرين مِنْ يَدِها الى داخِلْ الغُرْفَة مُوَبِخَة : لا يَجِبْ انْ تَخْرُجي بِهَذا المَوْسَم مِنْ دون مِعْطَف، سَتُصابي بالبَرْد يا حَبيبَتي، هذا اهْمَال سأعاقِبَكِ عَلَيْه في المَرًة القادِمَة،

تَتًجِهْ زَوْجَة الخال الى خِزانَة الغُرْفَة و تَفْتَح بابَها، تَأْخُذ مِنْها مِعْطَف و تَقول آمِرَة : هيا إلْبِسي هَذِهِ لِتَشْعُري بالدِفْئ مِنْ جَديد،

تأْخُذْ يَدْ شيرين في يَدِها قَليلاً و تَقول : جَسَدُكِ بارِدْ، هيا اجْلِسي و اشْرَبي بَعْضَ الشاي الساخِنْ،

تَسْأَل و هُمَا يَسيران نَحْوَ السرير بِقَلَق : بِماذا كُنْتِ تُفَكِرين في الخارج، نَادَيْتُكِ كَثيراً الى انْ لَفَتُ انْتِباهُكِ، بماذا كان ذِهْنُكِ شارِدْ؟

تأخُذْ شيرين رَشْفَة مِنْ الشاي و تَقول : انا آسِفَة لأَنَني سَبَبْتُ لَكِ هذا القَلَق، و لَكِن...

تَتَوَقًفْ لِمُقاوَمَة دُموعِها التي تَكون على وَشَكِ الإنْهْمَار ثُمَ تَتَمالَكْ نَفْسَها قَليلاً و تَقول، 

شيرين بِغَصًةِ أَلَمْ : أَلًمَني مَنْظَر لِجيرانِكُم في البِنَايَة الثانِيَة، كان هُنالِكَ رَجُل مَعْ امرأته يَحْضُنان بَعْض بِحُنو كَبير و كانا يَتَناولا بَعْضْ مِنْ الكَسْتَناء...مَنْظَرَهُم و هُمْ يَحْضُنان بَعْض كان جَميلاً جداً و جَعَلَني احاوِلْ انْ اتَذَكًرْ متى رأَيْتُ اهْلي بِحَالَةِ حُبْ آخِرَ مَرًة...و سَرَحْتُ بِهَذا التَفْكير طَويلاً الى انْ سَمِعْتُ صَوْتَكِ يُناديني...

تأخُذْ زَوْجَةَ الخال رَشْفَة مِنْ الشاي و تُجيبْ : أنا اعْلَمْ يا بُنَيًتي انً هُنالِكَ جُرْح كبير في قَلْبَكِ مِنْ مَشاكِل اهلكِ، بالعَكْس...أنا اعْذُرُكِ، في اكْثَرَ مِنْ مُناسَبَة وَضَعْتُ لَوْم كَبير عَلَيْهِم كَيْفَ يَتَشاجروا مَعْ بَعْض امامَكِ، 

شيرين : افْتَقِدُ الحنُو بَيْنَهُم كَثيراً...احاوِلْ عَزْلَ نَفْسي عَنْ مُحيطِهِم قَدْرَ المُسْتَطاع، 

تَنْهَضْ مِنْ مَكانِها و كوب الشاي بَيْن يَديها و تُكْمِل : و لَكِن كَيْفَ و انا اعيشُ مَعَهُم بِنَفْس المَنْزِل؟ 

تَقول زَوْجَة الخال بِنَبْرَة مُتَعاطِفَة : يَجِب ان تَتَمالَكِ نَفْسَكِ قَدْرَ المُسْتَطاع و تَتَحَمًلي و تَتَحَلًيْ بالصَبْر، حَاوِلِ التَرْكيز على دُروسَكِ، إذا لَمْ تَفْعَلي ذَلِكَ سَتُؤَثٍرْ هَذِهِ المَشاكِلْ على دُروسَكِ،

شيرين بِتَساؤل و أَلَمْ : قولي لي كَيْف؟ كَيْف و هُمَا يَقْلِبا كَيَان المَنْزِل مِنْ حين لآخَرْ لِغابَة صِراع كَبيرَة، انْتِ لا تُقيمي مَعَنا لِتَري الحالَة التي وَصَلوا لها و خُصوصاً بَعْد مُجْرَيات الثَوْرَة، لَمْ يَعُد الوَضْع بَيْنَهُما يَتَعَلًق بِوِجْهات النَظَرْ، اصْبَح يَتَمَحْوَر حَوْلَ اسْبَاب سِيَاسِيَة و مَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهْ صَحيحَة أكْثَر مِنْ الثانِيَة...

زَوْجَة الخال بِنَبْرَة مُلِحَة : و دُروسًكْ يا شيرين؟ يَجِب انْ تَتَحَلًيْ بالصَبْر و يَجِبْ انْ تَبْتَعِدي عَنْ مَشَاكِلْ اهْلَكِ قَدْر المُسْتَطاع، هَلْ سَتُضَيٍعي مُسْتَقْبَلُكِ بِسَبَب مَشاكِل أهْلُكِ، 

تَنْهَض هُدى مِنْ مَكانِها و تَسير الى حَيْثُ تَقِفْ شيرين و تَقول : اهْلُكْ اسًسوا نَفْسَهُم و انْجَزوا دِراسَتَهُم الجامِعِيَة و قَطَعوا شَوْطْ طَويل و ناجِحْ في الحَيَاة، و الآن حانَ دَوْرُكِ، مِنْ حَقًكِ انْ تَسيري بِنَفْس دَرْب النَجاح، اوْعِديني يا شيرين انْ تَنْتَبهي لِدِراسَتُكِ أكْثَر، و دَعي مَوْضوع اهْلُكِ لي و لِخَالَكِ، سَنُحاوِلْ التَكَلُم مَعَهُم،

شيرين بِتَوَتُر : بِصَراحَة انا على يَقينْ انً المَشَاكِلْ بَيْنَ اهْلي سَتَزْداد، خُصوصاً مَعْ قراري بالإنْتِسَاب بِتَخَصُصْ الفُنون، ابي لَنْ يَرْحَمَني و سَيَزيد مِنْ هُجومِهِ على أمي لأنً حِزْبَها يُؤْمِن بِتَحَرُرْ المَرأة،

زوجة الخال : أنا اعْتَقِدْ انً اصْرارُكِ على مَوْقِفَكِ سَيُجْبِرَهُ على المُثول لِرَغْبَتُكِ بالنِهايَة،

شيرين و الخَوْف بِعَيْنَيْها : لَنْ يَتَفَهَمْ مَوْقِفي بَتاتاً و سَيُعارِضْني الى ان اُغَيٍرْ تَخَصُصي، سَيُعارِضْني الى انْ احُقَقْ ارادَتَهُ، هَكَذا يَفْعَل بِأُمي، 

زَوْجَة الخال بِتَأَثُر : لَنْ يَفْعَلْ، بالعَكْس قُوًةْ اصْرارُكِ على مَوْقِفَكِ قَدْ تَجْعَلُه يَلينْ، 

شيرين : ابي لَيْسَ مِنْ النَوْع الذي يَلينْ بِسُهولَةْ تِجَاه رَغْبَةِ النِسَاء..سَيَكون قاسي مَعي لِيُجْبِرَني على التَخَلي عَنْ ارادَتي،

تَسير شيرين بالغُرْفَةْ قَليلاً ثُمَ تَتَوَقًفْ امام الشُرْفَة و تَسْرَحْ بها لِبِضْعَةِ ثواني ثُمَ تُكْمِل : أبي يَظُنُ انً الفُنون المَسْرَحِيَة و التَمْثيل هي أفَةْ يَجِب القَضَاء عَلَيْها مِنْ المُجْتَمَع، لا يُؤْمِنْ بها و حتى نَادراً ما اُشاهِدُه على التِلْفَاز يُتابِعْ عَمَل اسْلامياً، مُسْتَحيل ان يَفْهَمْ عَليْ..

زوجة الخال مَصْعوقَة : كَيْفَ يعيش هَذا الإنْسَان؟ ألا يَسْمَع موسيقى...

شيرين : لا فَهُوَ لا يَسْمَع اي نَوْع مِنْ الموسيقى إلًا الموسيقى الدينِيَة، أنا احِبُها و لَكِن احِبْ ان اسْمَع لِفَيْروز ايضاً، لأم كُلْثوم، لِعَبْدالوَهاب...انا بَشَرْ فالموسيقَة مَمْنوعَة بالمَنْزِل...هَلْ تَعْلَمي انًني اخَبِئْ شرائِطْ امْ كُلْثوم و عَبْدِالوَهاب بِمَخْبَئ سِرِي في غُرْفَتي و لا اضَعُهُم في المُسَجِل إلًا عِنْدَما يَكون ابي خارِجْ المَنْزِل...

زوجة الخال بِغَضَب : لا هذا كَثير، ماذا حَصَل لوالِدُكِ يا شيرين، لَمْ يَكُن مُتَشَدِداً لِهَذِهِ الدَرَجَة حينَ تَعَرًفَ بِوالِدَتُكِ،

شيرين : بَيْتي قَبْلَ الثَوْرَة بِبِضْعَةِ اشْهُر و خِلالِها تَحَوًلَ الى جَحيم يا هُدى...

تَنْظُر الى الشُرْفَةِ مَرًة ثانِيَة و تَقول مُتَوَسِلَة : ارْجوكِ يا هُدى، انا قَرًرْتُ قَرار نِهائي...قَرار اتًخَذْتُه و انا اكَلِمَكِ....رَتِبي لي هَذِهِ الغُرْفَة، اريدُ انْ اُقيمَ عِنْدَكُم في مَنْزِلِكُم رَيْثَما اكْمُل دراستي...شُرْفَةْ مَنْزلي...أنا خائِفَة...

تَقْتَرِب مِنْها زوجة خالها و تَسْأَلُها بِقَلَقْ : ماذا بها شُرْفَة مَنْزِلُكِ...

تَنْظُر شيرين الى زوجة خالها و نَظرات التَوَسُل تَمْلَئ عَيْنَيْها و تَقول : هَلْ تُنْقيذيني مِنْها؟

زوجة الخال : ماذا تَقْصِدي يا حَبيَبتي؟

شيرين : مِنْ الضَيقْ و عَدَمْ قُدْرَتي على تَحَمُل الضُغوطات التي أنا فيها...فَمِنْ الثَوْرَة بِبِلادي الى اجواء بَيْتي المَشْحونَة بالمَشاكِل مُنْذُ فَتْرَة الى ضَغْط الدِراسَة...راوَدَتْني مَرًة مِنْ المرات رَغْبَة في ان اُلْقي نَفْسي مِنْ شُرْفَةِ بَيْتي...و لَكِنْ لَمْ أجِدْ القُوَة لأَفْعَلَها، خِفْتُ لأَنً الفِكْرَة راوَدَتْني

تَصْرُخ زوجة الخال مِنْ صَدْمَةِ ما سَمِعَتْ : ما هَذا الكَلام؟! هَلْ تَمْزَحي؟! 

تَهُزُ راسَها ناكِرَة : هذا واقِعْ يا هُدى، 

تَضُم زوجة الخال شيرين بِحُنو و تَقول : أشْعُر مِنْ الصَعْب تَصْديقُكِ، فِعْلاً أكاد لا اصَدِقْ انًني اسْمَع هذا الكَلام مِنْكِ، لَوْ كَرًرْتي هَذِهِ الجُمْلَة مَرًة ثانِيَة لَنْ اُسَامِحَكِ على الإطْلاق، فَهِمْتي يا بُنَيًتي، مِنْ هَذِهِ الًلحْظَة سَتَعيشي هُنَا و في هَذِهِ الغُرْفَة التي كانَتْ تَعيشْ بها سَناء قَبْل انْ تُسَافِرْ مَعْ زَوْجِها الى امْريكا، فهي فارِغَة تَماماً،

تَنْظُر زَوْجَة الخال بِتَمَعُن الى شيرين لِدَقيقَة مِنْ الزَمَنْ و كَأَنًها فَهِمَتْ شَيْئَاً لِلْتَوْ بِذِهْنِها ثُمَ تُكْمِلْ بِنَبْرَة قَلِقَة : سَتَعيشي هُنَا و مُنْذُ هَذِهِ الًلحْظَة سَتَنْسي مَشاكِلْ اهْلُكِ و لَنْ تُفَكِري الًا بِدُروسُكْ، هَلْ تَفْهَمي؟ الإنْتِحار لَنْ يَجْلِبْ لَكِ إلا غَضَبْ الله و الحِرْمان مِنْ جَنًةِ الرَحْمَن، الحَيَاة مَليئَة بالفُرَصْ و الحَيَاة حُلْوَة إنْ تَعَوًدْنا أنْ نَنْظُر اليها بالتَفاؤُلْ المَطْلوب، هُنالِكَ انْسَان رائِعْ بِداخِلُكِ دَفَنَهُ الإكْتِئاب و الأَلَمْ لِأَعْمَاق كَبيرَة في داخِلْ اليَأْس الذي يُسَيْطِر عَليْكِ، سأُساعِدُكِ انْ تُعيديه الى الحَيَاة و ان تَلْمَسيه مِنْ جَديد...ثِقي باللهِ ثُمَ بي يا بُنَيًتي و لا تَفْقِدي ايْمَانَكِ باللهِ، هَلْ تُعْطيني هَذِهِ الثِقَة؟  

تَبْتَسِم شيرين و تَقول: اعِدُكِ يا هُدى،

فَجْأَة يَتَبَدًل سُلوك هُدى مِنْ حَزين و مُتَوَتِر الى سُلوك بِهِ ثِقَة اكْثَر، و كَأَنًها اخَذَتْ قَرار فَجْأَةً سَبًبَ لها الراحَة، تَسير بِثِقَة الى شُرْفَةِ المَنْزِل و تُغْلِقُها بالمُفْتاح فَتَرُدَ شيرين بِنَبْرَةْ إرْتِباك على فِعْلَةِ زَوْجَةِ خالها : لا داعي لِكُلْ هذا الخَوْف يا هُدى، راوَدَني هذا الشُعور مَرًة فَقَطْ و لَكِنْ بِصَراحَة لَمْ أجِدْ الجُرأة لأفْعَلَها كما قُلْتُ لَكِ...رُبَما سأحْتَاج انْ اسير لأَسْتَنْشِق بَعْضْ مِنْ الهَواء النَقي...

زَوْجَة الخال بِنَبْرَة أُمْ آمِرَة و حازِمَة : سَاُعْطيكِ المِفْتاح عِنْدَما تُثْبِتي لي انًكِ بالنُضوج الكافي و تَتَمَتًعي بالمَسْؤلِيَة الكافِيَة لَيَكون بِحَوْزَتَكِ، و إذا ارَدْتي ان تَخْرُجي لِلْتَنَزُه الى الشُرْفَةِ او خارج المَنْزِل يَجِبْ ان أكون مَعَكِ، يَجِبْ انْ تَعِديني انْ تَلْتَزمي بِدُروسَكِ أكْثَر، بَرْنامَجُكِ اليومي بَيْت جامِعَة فَقَطْ و الإلْتِزام بِدُروسُكْ واجِبْ مُقَدَسْ عِنْدي، يَجِبْ انْ تُريني نَتائِجْ امْتِحاناتُكْ و شَهادات الجامِعَة بِصورَة دَوْريَة، مَفْهوم،

تعود البَسْمَة الى ثَغْرِ شيرين رويداً رويداً و تَعودُ علامات الراحَة الى وَجْهِها، تَبْتَسِم قَليلاً زَوْجَة خالها عِنْدَما تَرى تعابير شيرين الجَديدَة، تُكْمِلْ زَوْجَة الخال بِنَبْرَة حازِمَة : هَذِهِ الأَوامِرْ تُنَفَذْ بالحَرْف هُنا، مَفْهوم؟ اي اسْتِخْفاف بهذا البَرنامَجْ غَيْر مَقْبول عِنْدي يا شيرين،

تَسير الى الخِزانَة زَوْجَة الخال و تَفْتَح بابَها، تُبْعِد الثِيَاب المُعَلًقَة قَليلاً ثُمَ تَنْحَني لِتَلْتَقِطَ مِنْها فَلَقَة و خَيْزَرانَه،  تَبْتَعِد شيرين الى الوَراء بِضْعَةَ خَطوات مِنْ المُفاجأة و الصَدْمَة و هي تَنْظُر الى اداة التَهْذيب بِيَدي هُدى، تَقول زَوْجَة الخال : هُنالِكَ شَيْئ آخَر لا تَعْلَميه عَنْ طَبْعي بِتَرْبِيَة اولادي،

تُجيبْ شيرين بِرَهْبَة : والِدَتي لَمْ تَسْتَخْدِمْها إطْلاقاً بالمَنْزِل، 

تُكْمِل زَوْجَة الخال بِحَزْم : كُل امْ لها طَبْعُها الخاص، أنا صَدْري حَنون على اولادي جداً و لَكِنَني شَديدَة في نَفْسَ الوَقْت، في حال شَعَرْتُ بِضَرورَة اخْراجِها مِنْ الخِزانَة لَنْ أتأَخَر في ان اغْلِق باب هَذِهِ الغُرْفَة عَلينَا و حينَها سآمُرُكِ بِخَلْعِ نَعْلَيْكِ و سأُعَلِقْ ارْجُلَكِ مْنَها بِكُل سُهولَة...

تُكْمِل بِنَبْرَة تَوَعُد امْ لإبْنَتِها : صَدِقيني يا بُنَيًتي وَقْتُ ارْتِكاب الخَطَئ كُلْ اوْلادي جُلِدَتْ اقْدامَهُم بِهَذِهِ الفَلَقَة التي بَيْنَ يَدي و مَهْمَا كانوا اثْنَاء العِقاب يَطُلبوا الرَحْمَة ما كُنْتُ اكُفْ العَصاة عَنْهُم إلًا بِحُلول آخِرْ جَلْدَة كُنْتُ اُقَرِرُها لَهُم...لا اريد انْ اسْمَعْ مِنْ اولادي الًا ثَلاثَةِ كَلِمات هُما تَحْتْ امْرُك ماما،  

تُجيب شيرين بِرَهْبَة : تَحْتَ امْرُكِ، سأَعِدُكِ بالإلْتِزام بأوامِرُكِ...

تُجيب زَوْجَة الخال : مُنْذُ هَذِهِ الًلحْظَة اسْمي ماما هدى، مَفْهوم، احْتَرمي فارِقْ السِنْ بَيْني و بَيْنُكْ يا بُنَيًتي، 

شيرين مُطيعَة : تَحْتَ أمْرُك،

تُعيدْ زَوْجَة الخال الفَلَقَة و الخَيْزَرانَة الى الخِزانَة و تَتًجِهْ الى باب الغُرْفَة، و قَبْلَ انْ تُغادِر تَنْظُر الى شيرين مَرًة ثانية و تَقول بِقَليل مِنْ الغَضَبْ : بَيْتُكِ طابِقْ ارضي و لَيْسَ عِنْدَكُم شُرُفات عالِيَة،

تَرْتَسِم على شيرين ملامِحْ الخَوْف مَرًة ثانِيَة و هي تُصْغي لِهُدى، تُحاوِلْ التَبْرير : أنا...أنا...أنا كان قَصْدي...لَمْ أكْذِب...

زوجة الخال : انا لَطالَما عَرَفْتُك بِنْت صادِقَة و مُهَذَبَة، و لا اُحِبْ مَنْ يَكْذِب علي، لا أعْلَمْ ماذا افَسِر كلامُكْ بالضَبْط، على العُموم اذا كان مُرادُكْ مِنْ وَراء كلامُكْ اخافَتي فَقَدْ نَجَحْتي بُنَيًتي، انْتِ لا تَعْلَمي غَلاوَتُكِ عِنْدي انا و خالُكْ، انْتِ لا شَكْ تُعانينْ مِنْ بَعْض الإكْتِئَاب و الإرْهَاق و تُريدي الهُروب باي ثَمَنْ مِنْ مَنْزِلِكُمْ و انْ اسْتَعْمَلْتِ هَذِهِ الكَذِبَة كَوَسيلَة ضَغْط عَلَيْنا فلا بأس، اشْعُر مَعْ مُصابُكِ، سأفْتَح لَكِ المَجال لِتَهْربي كَيْفَما تَشَائين مِنْ هَذِهِ الظُروف الصَعْبَة، ولَكِنْ اكْتَشَفْتِ ما لَمْ تَتَوَقًعيه عَني و هُوَ الحَزْم لِتَدْفَعي الثَمَنْ انْ كانَتْ قِصًةَ التَفْكير بالإنْتِحار كَذِبَة، لا بأس سامِحيني فَطَبْعي شَديد مَعْ مَنْ اُحِبْ، و هَذِهِ الشِدَة لِمَصْلَحَتُكِ، و ان كانت حقيقة تَسْتَطيعي انْ تَحْسِبيها عِلاج لِحَالَتُكْ و دافِعْ لِتَتَحَسًني و تَنْتَبهي لِدُروسُك و مُسْتَقْبَلكِ فإقامتك ببيتي سَتَكون الفُرْصَة التي تَحْتاجينها لِتُرَكزي على امور ايجابية كَثيرَة بحياتكِ، يَجِبْ انْ تَتَحَمًلي عواقِبْ قرَاراتُكِ، أملي ان يَرْدَعَكِ هذا الإختبار و يُرَبيكِ اكْثَر، 

تُغْلِق الباب زوجة الخال ورائَها و تَضْحَك قَليلاً و هي تَسيرْ الى صالَة المَنْزِلْ، و تَقول بِذاتِها : سَتَتَأَقْلَم مَعْ طَبْعي و لا ضَرَرْ مِنْ الصَدْمَة التي تَلَقَتْها مِني، حَبيَبة قَلْبي شيرين كَمْ اُحِبُها مِثْل بَناتي، و كَمْ هي عَطِشَة لِحَنان و حَزْم أُمِها، و لَكِنْ اين امُها مِنْ العِنايَة بها، كان الله بِعَوْنِها فَيَتَوَزًعْ وَقْتِها بين نَشاطات الحِزْب الذي تَشْهَدْ ذُرْوَة بِسَبَب الأحوال الحالِيَة و بَيْنَ اطْبَاع زَوْجِها، فِبِحَيَاة دَوْلَت ثَوْر هائِجْ بِحاجَة لِتَرْويض، كان الله يِعَوْنِك يا دولت،

تَنْتَقِل بِنَا الكاميرا الى غُرْفَة شيرين مَرًة ثانِيَة لِتُرينا اياها مُرْتَبِكَة بَعْض الشَيئْ، فَتُؤَنب ذاتِها : ماذا فَعَلْتِ يا شيرين؟ انْتِحار؟أَلَمْ يَكُنْ بإسْتِطاعَتي انْ اُفَكِر بِعُذْرِ قَهْري آخَرْ اُجبِرْ اهلي على القُبول بإقامَتي بِبَيْت خالي؟ بَسيطَة، ألمُهِمْ انًني اقْنَعْتُ هُدى بِدَعْمي بِهَذا القرار،

تَمْلئ وَجْهَها الرَهْبَة فَجْأَة و تُكْمِل : الفَلَقَة و الخَيزَرانَة مِنْ حين لآخر مِنْ هُدى و لا المَبيتْ بِمَنْزِل ابي و ضُغوطاتِهْ لأُغَيِر تَخَصُصي،