سايكس بيكو 2/ فراس الور

كثيرا ما أسمع بهذا المصطلح في الحوارات الثقافية على الفضائيات العربية، فيشير اليه نخبة من السياسيين بدافع تبرير حالة الفوضى الكبرى التي تجتاح المنطقة العربية، فمما لا شك به ان ثورات الربيع العربي المبرمجة التي اشتعل فتيلها في الشارع العربي مع الإنقسامات السياسية و الفوضى الأيديولوجية فشلت بتحقيق هدفها...فبعد حرب أهلية دامية لم يتدخل بها الجيش المصري بل كان أبطالها الأحزاب السياسية و شخصيات انطلقت من المجتمع المصري مباشرة و بعد مواجهات دامية و عنيفة قرر الجيش المصري عزل الأحزاب الدينية المتشددة التي صعدت الى الحكم منذ ثورة 25 من يناير، فمع بلوغها كرسي رئاسة الجمهورية و مجلس البرلمان المصري العريق لم تستطع هذه الأحزاب تحقيق الإستقرار المرجو لمصر...فبأقل من سنة فقدت هذه الأحزاب الثقة بالشارع المصري ليتقلص جمهورها الى فصائل محدودة في المجتمع المصري تؤمن بعقيدة التكفير الفتاكة؟!

استطاع الجيش المصري بصعوبة بالغة و لكن بكفاءة و بنجاح كبير تنظيم لُحْمَةْ سياسية ثمينة جدا بين الأزهر الشريف و الكنيسة القبطية...فمع الإعلان النفيس لنجاح ثورة 30 من يونيو عزم حينها قائد الجيش المشير عبدالفتاح السيسي على بناء دولة المؤسسات و القانون في مصر...و إعادَتْ تثبيت ما قد دمرته الأحزاب الدينية بتعصبها و قلة خبرتها و عدم حنكتها السياسية..فأعلن عن خطة ثلاثية المراحل (الإستحقاقات) لبناء دعائم تُمَهِدْ لحياة سياسية سَوِيَة و طبيعية لا تهدد سلام المجتمع المصري..بل تُوَفِرْ له حياة سياسية منطقية يستطيع تقبلها بسلاسة و بمنطقية تامة، فبعد أن عَطًل العمل بدستور عام 2012 و الذي يعد خطوة تمهيدية ليستلم الجيش الحكم بالبلاد نظم إنتخابات سياسية لرئاسة الجمهورية...و استطاع بنجاح ساحق أن يَعْبُرْ بمصر لعهد لم يكن أحد في المنطقة العربية يتوقع أن تعبر اليه هذه الجمهورية التي قاسة الأمَرًيَنْ بعد ثورة 25 من يناير...و اصبح فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس لجمهورية مصر العربية...و عَيًنَ بعزيمة و أصرار رئيس للوزارء و كلفه بتشكيل لفيف وزاري ليستطيع أن يُمَهِدْ لمؤسسات الدولة التي أصبحت ضعيفة بالماضي، 

مصر نجحت كثيرا بعبور مرحلة صعبة للغاية بواسطة حكومة دولة الرئيس ابراهيم محلب حيث نجح دولة الرئيس بتفعيل الوزارات الى كفاءاتها المعهودة من جديد، و اصبحت الدولة المصرية بنشاطها السياسي داخليا و خارجيا فاعلة أكثر من قبل بحمد الله و رعايته...فبفضل عزيمة الرئاسة المصرية و إلتزام اللفيف الوزاري المُوَقًرْ تشكل لمصر هوية سياسية جديدة اصبحت قادرة بفضلها على الإنطلاق نحو سياسة خارجية مقنعة لدول العالم...حتى الإستقرار الإقتصادي اصبح ممكن مع قدرة الامن السيطرة على الأوضاع أكثر من قبل...

بحلول الإنتخابات البرلمانية القادمة بإذن الله ستتمكن مصر من تحقيق الإستحقاق الثالث للخارطة التي رسمتها الدولة للنهوض من ازمات الماضي...فقد عينت اللجنة العليا مواعيد ثابتة في أكتوبر و نوفبمر لهذه الإنتخابات التي ستوفر لمصر مجلس برلمان ليساعد الحكومة المصرية في واجباتها الإدراية و في الحياة التشريعية للدولة...و لكن الحظ لم يحالف باقي الدول في المنطقة العربية...فمنذ حرب الخليج و العراق في فوضة مستمرة أدت به لاحقا الى انهيار تماسك الدولة و لحمة أهله بصورة كاملة...

فبعد أن انهار حكم الرئيس الراحل للعراق صدام حسين رحمه الله انهارت معه دولته و أمن تلك البلاد و منظومة الجيش الوطنية التي كانت تحمي أمنه الداخلي و حدوده الخارجية...مما أدى بالبيت الابيض الى محاولة ارساء دعائم دولة جديدة مبنية على الديمقراطية...فلم تتغير خارطة العراق على الإطلاق في عهود حكومة المالكي على الإطلاق...فهل نستطيع القول أن سايكس بيكو 2 كانت تطرق ابواب الشرق الاوسط...ربما نستطيع القول بأن الظروف كانت تتهيئ لها فما هي الفائدة من المحافظة على حدود دولة لا راعي لها و لا جيش يرعى حدودها من الداخل و تركيبتها السكانية لا تتمتع بالإستقرار...و هنا تكمن خطورة الموقف إذ فشل المالكي مع كل أسف بدعمه للفئات الشيعية في الدولة العراقية بإرساء قواعد دولة تستطيع فرض هيبتها على الاراضي العراقية بالكامل...فبفضل تطفل إيران بشؤون الدولة العراقية رأينا ردت فعل من أحزاب مسلحة تنتمي الى المذهب السنية تحاول الكفاح المسلح ضد ارادة الدولة الشيعية هذه...حالة من الغوغاء أدت الى نشوء حزب داعش بالمنطقة من فراغ القوة هذا...و بسرعة قياسية بسبب ضعف الدولة العراقية استطاع شن هجماته المسلحة و اقتطاع اجزاء شاسعة من العراق لإخضاعها تحت سيادته؟!

الدولة السورية تشهد انهيار كلي بسبب نجاح أعداء تلك الأمة بدعم معارضة داخلية ظهرت فجاة في الحياة السياسية السورية...فبعهد الرئيس الراحل حافظ الاسد رأينا هذه الدولة متماسكة جدا تخضع لرئاسة هذه الاسرة التي ربما تكون المسؤولة بصورة مطلقة على بناء الحضارة و العمران و مؤسسات الدولة فيها...فَمَنْ بنا سورية إلا الرئيس الراحل حافظ الأسد رحمه الله؟ اقول هذا إنصاف للحق و للعدالة ليس إلا...و لكن منذ أن تولى الرئيس الحالي بشار الأسد الحكم بها رأينا اصوات ترتفع في داخل الحياة السياسية السورية و حيث كانت مُسَيًسَة من ارادات خارجية رأت في فراغ القوة بالعراق فرصة سانحة لبدء بتهيئة سايكس بيكو 2...ففوضة بالعراق جغرافياً تساهم بإمتداد فوضى لسوريا بواسطة الاراضي المنبسطة و الشاسعة ستكون مرتع سليم لإنتشار الأحزاب الدينية المسلحة و التي قد تكون عناصر مهمة بإضعاف النظام السوري...فهو المسؤول الأول كحزب حاكم وطني على دعم حزب الله في الجنوب اللبناني بأجندته الجهادية التي تستمد شرعيتها من إيران و الحكم الشيعي بها...و سوريا و إيران حلفاء بمعادلة لا تَسُرْ اسرائيل بأي صورة كانت...و خصوصا بعد إنتصار حزب الله و لو الجزئي بحرب تموز ابتدأ البيت الأبيض بعزف نغمة شرق أوسط جديد...فالفرصة اصبحت سانحة حينها لمعارضة سورية من الداخل لخلق شرخ استراتيجي و جغرافي ليعزل حزب الله عن سرويا...و لضرب حليف لإيران في المنطقة...حزب الله و سوريا و إيران مثلث كان يجب إضعافه بعد حرب تموز في لبنان، 

سايكس بيكو 2 ضرب ليبيا بالفوضى ايضا...فبعد أن تدخل الحلفاء و انتهى حكم الرئيس الراحل معمر القذافي رحمه الله بقية ليبيا بفوضى كبيرة جدا و دون اية محاولات جادة للصلح الوطني إلا مؤخرا...فربما تنجح هذه المساعي و ربما لا...فسايكس بيكو 2 لم يَحِلْ بعد...بل الفوضى الداعمة له تُهَيِئْ له الكثير...لتظهر المنطقة بأنها غير قادرة على حكم ذاتها و لتتبرر التدخلات الأجنبية بالمنطقة...فسايكس بيكو 1 أتى بسهولة لأن المنطقة كانت تتألف حينها من بلدان مشوشة جغرافياً بسبب الحكم العثماني بالمنطقة...و لكن الأمر مختلف كليا في سايكس بيكو 2...فالفوضى يجب أن تضرب بلدان بأسرها من الجبهة الداخلية حتى تنهار و تبقى المنطقة العربية ضعيفة جدا...و ايضا للمحافظة على وجود اسرائيل كدولة قومية لليهود حول العالم،

كسبت اسرائيل من الربيع العربي الكثير...زال هم الدُوَل التي تدعم حزب الله من الشمال...و بقية العراق مشوشة كدولة بسبب تدخل ايران بالمنطقة...و اصاب سوريا الفوضى لينتهي خطر حزب البعث السوري من امام الدولة الصهيونية...و ليبيا ربما ستنهض كدولة او لا...و لكن ضعفها سيخدم انتشار الجماعات المسلحة في وسط و غرب افريقيا...فللقارة الإفريقية أجندة خاصة للمستعمرين الغرب، كل الدعائم تتوافر بشدة لهيمنة الدول الغربية من جديد على المنطقة بجيوشها لتعيد النظام من جديد...و لكن من يضمن نجاح محاولاتها...فلم تنجح الجهود كليا في السالف في العراق...فحتى و إن حَلًتْ الجيوش الأمريكية في المنطقة يجب تماسك الجبهة الداخلية لهذه الدول العربية حتى تنجح محاولات المستعمر بإعادة بناء الدُوَل العربية...فالتطفل الإيراني في المنطقة لم يخدم الأوضاع ابدا في بعض الدول العربية...

هنالك من يقول أن إغراق المنطقة في صراعات طائفية هو سيد الموقف بالنسبة للغرب...و لكن لا أظن أن هذا هو هدف الغرب من المنطقة...فإستقرار الوضع في ليبيا و العراق لإنتظام تكرير البترول بالمنطقة و لإستقرار أسعار النفط ضروري جدا، فخروج هذه البلدان من صناعة النفط لا يخدم استقرار اسعار هذه السلع عالميا، لأنه في العراق يكمن ثاني مخزون استراتيجي للنفط بالعالم، الذي أحاول الوصول اليه من هذه الأسطر أنه في الظروف الحالية تتكون دعائم سايكس بيكو 2 ...ففي 1 خرجت المنطقة من الحكم العثماني ضعيفة جدا لتقتطع دول الغرب لها نفوذ تهيمن عليه بصورة استعمارية...و ها الربيع العربي و الحروب الأهلية تضعف المنطقة من جديد لتهيئ حلول سايكس بيكو 2...منطقة ضعيفة و مهيئة لقدوم قوى الإستعمار من جديد،  

CONVERSATION

0 comments: